منتديات أنا مسلمة لكل المسلمين والمسلمات


    لفتن وموقف المسلم منها(ورؤية شرعية تأصلية

    شاطر
    avatar
    amal
    مدير عام
    مدير عام

    عدد المساهمات : 584
    نقاط : 3152
    تاريخ التسجيل : 09/04/2009
    العمر : 37
    الموقع : http://tita.yoo7.com

    لفتن وموقف المسلم منها(ورؤية شرعية تأصلية

    مُساهمة  amal في السبت يونيو 26, 2010 8:49 am

    الفتن وموقف المسلم منها(ورؤية شرعية تأصلية


    بسم الله الرحمن الرحيم
    المقدمة
    الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
    فإن الأمور الغيبية التي أخبر الشارع الحكيم بحدوثها في واقع الحياة يجب على المسلم فيها أن يستمسك بمعتصم يقيه مزلة الأقدام ومضلة الأفهام، والمعتصم في ذلك للمسلم هو أن يكون وقافا - من غير إفراط ولا تفريط - عند حدوث النص الشرعي الوارد بالأخبار بحدوث ذلك الأمر الغيبي، إذ لا مدخل للعقل في تصوير هذا الأمر وتكييفه.
    ومن الأمور الغيبية التي أخبر الشارع الحكيم بحدوثها في واقع الحياة (الفتن) التي ستحيق بالأمة المسلمة في آخر زمانها، وهي فتن كثيرة ومتعددة يرقق بعضها بعضا، كما وردت صحاح الأحاديث بذلك.
    وبما أن الفتن أمور غيبية، فإن الحديث عنها حديث عن موضوع شائك وخطير، أما كونه شائكا فلأنه متعدد الجوانب، متشعب الاتجاهات، لا يمكن لأي باحث أن يلم شعثه، وأن يقضي منه تفثه في صفحات محدودة كصفحات هذا البحث.
    وأما كونه خطيراً فالخطورة فيه تكمن في قضية تكييف تلك الأخبار النبوية على واقع الحال لكل فتنة تعصف بعالم الأمة الإسلامية؛ لأن ذلك التكييف قد يكون سببا في طيش الأقلام وتجنيح الخيال، مما يوجب الحذر غاية الحذر في طرح هذا الموضوع والتعامل معه.
    وحيث كثر التخوض في إسقاط أحاديث الفتن على ما يجري في الساحة الإسلامية من وقائع وحوادث، الأمر الذي قد يفضي إلى شطحات عن المنهج الأقوم في هذا الشأن، فقد رأيت أن من الواجب الشرعي التصدي لبيان الموقف الحق الذي يحتم على المسلم أن يلزم نفسه به وفق ضوابط شرعية ومعايير مرعية، هي المنار لترشيد المسار في قضية ربط الفتن الواقعية بالنصوص الشرعية، وذلك من خلال هذا البحث المتواضع الذي أسميته: (الفتن وموقف المسلم منها: رؤية شرعية تأصيلية).
    وبما أني لا أستطيع التوغل في مسالك هذا الموضوع الوعرة التي لا يملك القدرة على تمهيد صعابها إلا الراسخون في العلم بنور من الله تبارك وتعالى وبصيرة، فإني أحاول ـ قدر جهدي ـ اختزاله في مباحث رئيسة يغلب على ظني أنها ستميط اللثام عن الخطوط العريضة لهذا الموضوع المترامي الأطراف، وتلك المباحث سينتظم عقدها في ستة عشرة مبحثا هي كالآتي:
    1- المبحث الأول: (الفتنة في لغة العرب).
    2- المبحث الثاني: (الفتنة في القرآن الكريم).
    3- المبحث الثالث: (الفتنة في السنة المطهرة).
    4- المبحث الرابع: (العلاقة بين الفتنة في اللغة والفتنة في الكتاب والسنة).
    5- المبحث الخامس: (الفتنة في العرف الشرعي).
    6- المبحث السادس: (أقسام الفتنة باعتبار زمن حدوثها).
    7- المبحث السابع: (الحكمة الشرعية من الإخبار بحدوث الفتن).
    8- المبحث الثامن: (مصدر الفتن التي تقع على الأمة).
    9- المبحث التاسع: (أسباب حدوث الفتن).
    10- المبحث العاشر: (موقف المسلم من الفتن حين حدوثها).
    11- المبحث الحادي عشر: (موقف المسلم من إسقاط أحاديث الفتن على أحداث آخر الزمان).
    12- المبحث الثاني عشر: (فتنة العولمة على عقيدة المسلم).
    13- المبحث الثالث عشر: (موقف المسلم من إثبات الوقائع بالرؤى المنامية زمن الفتن).
    14- المبحث الرابع عشر: (متى يجب على المسلم اعتزال الناس في الفتنة؟).
    15- المبحث الخامس عشر: (أسباب الوقاية من الفتن).
    16- المبحث السادس عشر: (كيف تتم الوقاية من الفتن وهي واقعة لا محالة؟).
    والله تعالى أسأل أن يمدني بعونه وتوفيقه وتسديده، لإخراج هذا البحث على الوجه الذي يرضيه، وأن يجعله علما نافعا وعملا صالحا مقبولا لديه، وأن يقيني زلة القدم وعثرة القلم فيه، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
    أ.د. علي بن سعد الضويحي

    المبحث الأول
    الفتنة في لغة العرب
    لابد ـ قبل الحديث عن جوانب هذا الموضوع المهم ـ من التطرق إلى تعريف "الفتن"؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
    فالفتن جمع "فتنة"، والفتنة في اللسان العربي تطلق ويراد بها عدد من المعاني، ومنها ما يأتي:
    1- الابتلاء، تقول: (فتنت فلانا): إذا ابتليت صدقه وأمانته.
    2- الإحراق بالنار، تقول: (فتنت الذهب والفضة): إذا أحرقتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد.
    3- اختلاف الناس بالآراء: فإن هذا الاختلاف قد يكون سببا في الفتنة، ولاسيما إذا كان منشأ ذلك الاختلاف التشهي والهوى، وليس البحث عن الحق والهدى.
    4- الإعجاب بالشيء، تقول: "فتنت بورعه"، أي: أعجبت بما كان عليه من ورع.
    5- الفضيحة، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ [المائدة: 41]، أي: فضيحته.
    6- الإزالة، يقال: "فتن الرجل": إذا أزاله عما كان عليه.
    7- الجنون، يقال: "رجل مفتون"، أي: مجنون.
    8- العذاب، ومنه قول الحق تبارك وتعالى في شأن المشركين: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: 14]، أي: عذابكم.
    9- القتل، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83]، أي: أن يقتلهم.
    10- الضلال والإثم( )، وذلك أن الإنسان إذا امتلأ قلبه بالشبهة والشهوة ـ والعياذ بالله تعالى ـ فتن بهما حتى يضل فيقع في الإثم العظيم من حيث يشعر أو لا يشعر.
    هذه هي بعض المعاني التي فسر بها العرب "الفتنة" في لسانهم، إلا أن المعنى الأول وهو (الابتلاء) هو جماع تلك المعاني كلها، كما صرح بذلك الأزهري( ) وابن منظور( ) رحمهما الله تعالى، وكما صرح به غيرهما.
    وذلك لأن كل المعاني المذكورة يمكن إدراجها في هذا المعنى الجامع، فالإحراق بالنار للذهب والفضة هو ابتلاء لجيدهما من رديئهما.
    واختلاف الناس بالآراء هو ابتلاء لهم، ليعلم متبع الحق من متبع الباطل.
    والإعجاب بالشيء ابتلاء لما في دخيلة الإنسان من حب الخير أو حب الشر؛ لأن كل إناء بما فيه ينضح.
    والفضيحة ابتلاء من الله تبارك وتعالى للمفضوح، حتى تنكشف حقيقته للناس فلا يغتر به.
    والإزالة ابتلاء من الله جل شأنه للعبد بميل قلبه من الهداية إلى الغواية، نسأل الله تعالى السلامة من ذلك.
    والجنون ابتلاء للعبد بسلب العقل منه.
    والعذاب ابتلاء لمن استحقه بسبب إعراضه وطغيانه.
    والقتل ابتلاء للقاتل حين يبوء بإثم من قتله وتعدى على حرمة دمه.
    والضلال والإثم ابتلاء لمن أوقع نفسه في أسبابهما حتى يجني ما اكتسبته يداه.

    المبحث الثاني
    الفتنة في القرآن الكريم
    وردت "الفتنة" في ستة وخمسين موضعا من القرآن العظيم، وهي بحسب تسلسل الآيات في السور القرآنية الكريمة على النحو الآتي:
    1- الموضع الأول: قول الله تبارك وتعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: 102].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "البلاء"، أي: "إنما نحن بلاء لبني آدم، فلا تكفر بربك"( ).
    2- الموضع الثاني: قول الحق سبحانه: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 191].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر والشرك"، أي: "شركهم بالله تعالى وكفرهم به أعظم جرما، وأشد من القتل الذي عيروكم به"( ).
    3- الموضع الثالث: قول المولى جل شأنه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: 193].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر"( ).
    4- الموضع الرابع: قول الله تعالى: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 217].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر والشرك" كما سبق.
    5- الموضع الخامس: قول الحق سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الإضلال"، أي: "الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم"( ).
    6- الموضع السادس: قول الله تعالى: كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء: 91].
    ومعنى الفتنة هنا: "الشرك"، أي: "كلما دعوا إلى الإشراك بالله تعالى ارتدوا فصاروا مشركين"( ).
    7- الموضع السابع: قول المولى سبحانه: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "القتل"، أو "الأسر" كما ذكر ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره( ).
    8- الموضع الثامن: قول الله جل شأنه: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: 41].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الضلالة". قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "ومعنى الفتنة في هذا الموضع: الضلالة عن قصد السبيل، يقول تعالى ذكره: ومن يرد الله يا محمد مرجعه بضلالته عن سبيل الهدى فلن تملك له من الله استنقاذا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة، فلا تشعر نفسك بالحزن على ما فاتك من اهتدائه للحق"( ).
    9- الموضع التاسع: قول الله عز وجل: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الصد"، أي: "واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم"( ).
    10- الموضع العاشر: قول الحق سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا [المائدة: 71].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "وظن هؤلاء الإسرائيليون... ألا يكون من الله لهم ابتلاء واختبار بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون فعموا وصموا"( ).
    11- الموضع الحادي عشر: قول الله جل شأنه: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار". قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 22] إجابة منه لنا عن سؤالنا إياهم ذلك إذ فتناهم فاختبرناهم إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] كذبا منهم في أيمانهم على قولهم ذلك"( ).
    12- الموضع الثاني عشر: قول الحق سبحانه: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا
    [الأنعام: 53].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "اختبرنا الناس بالغنى والفقر، والعز والذل، والقوة والضعف، والهدى والضلال، كي يقول من أضله الله وأعماه عن سبيل الحق للذين هداهم الله ووفقهم: أهؤلاء من الله عليهم بالهدى والرشد وهم فقراء ضعفاء أذلاء من بيننا ونحن أغنياء أقوياء، استهزاء بهم ومعاداة للإسلام وأهله"( ).
    13- الموضع الثالث عشر: قول الله تعالى: يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف: 27].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الخداع والاختبار"، أي: "يا بني آدم لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم"( ).
    14- الموضع الرابع عشر: قول المولى سبحانه: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف: 155].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار". قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "ما هذه الفعلة التي فعلها قومي من عبادتهم، ما عبدوا دونك إلا فتنة منك أصابتهم، ويعني بالفتنة: الابتلاء والاختبار"( ).
    15- الموضع الخامس عشر: قول الحق سبحانه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "العذاب". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أمر الله المؤمنين إلا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب"( ).
    16- الموضع السادس عشر: قول الله تبارك وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: 28].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "واعلموا أيها المؤمنون أنما أموالكم التي خولكموها الله، وأولادكم الذين وهبهم الله لكم اختبار وبلاء، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها"( ).
    17- الموضع السابع عشر: قول الله جل شأنه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: 39].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر"، كما سبق بيان ذلك.
    18- الموضع الثامن عشر: قول الحق سبحانه: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "البلاء"، أي: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين تكن فتنة في الأرض"( )، حيث يحل البلاء بكم.
    19- الموضع التاسع عشر: قول الله تعالى: وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة: 47].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر"( ).
    20- الموضع العشرون: قول الله عز وجل: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ [التوبة: 48].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الصد عن الدين"، أي: "لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد، التمسوا صدهم عن دينهم، وحرصوا على ردهم إلى الكفر بالتخذيل عنه"( ).
    21- الموضع الحادي والعشرون: قول الحق سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة: 49].
    ومعنى الفتنة في قوله تعالى: وَلَا تَفْتِنِّي: هو "الابتلاء"، أي: "ولا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر، فإني بالنساء مغرم"، والقائل ذلك هو "الجد بن قيس"( ).
    ومعنى الفتنة في قوله تعالى: أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا: هو "الحرج والإثم"( ).
    22- الموضع الثاني والعشرون: قول الله تبارك وتعالى: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة: 126].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "ثم هم مع البلاء الذي يحل بهم من الله، والاختبار الذي يعرض لهم لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله، ويعاينون من آياته فيتعظوا بها، ولكنهم مصرون على نفاقهم"( ).
    23- الموضع الثالث والعشرون: قول المولى تبارك اسمه: فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "القتل" أو "العذاب"( ).
    24- الموضع الرابع والعشرون: قول الحق سبحانه: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس: 85].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين، ولا تمنحنهم بنا"( ).
    25- الموضع الخامس والعشرون: قول الله عز وجل: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا [النحل: 110].
    ومعنى الفتنة هنا: "التعذيب"، وذلك لإكراههم على التلفظ بكلمة الكفر( ).
    26- الموضع السادس والعشرون: قول الله جل شأنه: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: 60].
    ومعنى الفتنة هنا: "الابتلاء والاختبار"، وتلك الرؤيا هي رؤيا عين أريها رسول الله  ليلة أسري به، فكانت بلاء للناس بين مصدق ومكذب( ).
    27- الموضع السابع والعشرون: قول الله سبحانه: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء: 73].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الصد"، أي: "أن المشركين كادوا أن يفتنوا النبي عليه الصلاة والسلام بصده عما أوحاه الله تعالى إليه ليعمل بغيره"( ).
    28- الموضع الثامن والعشرون: قول الله تبارك وتعالى: وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه: 40].
    ومعنى الفتنة والفتون هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، كما قال ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما"( ).
    29- الموضع التاسع والعشرون: قول الله جل جلاله: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [طه: 85].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار والامتحان"، أي: "اختبرناهم وامتحناهم بأن يستدلوا على الله عز وجل"( ).
    30- الموضع الثلاثون: قول الله تعالى: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ [طه: 90].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء" أي: إن هارون عليه السلام قال لبني إسرائيل من قبل أن يرجع إليهم موسى عليه السلام: يا قوم إنما ابتليتم بعبادة العجل، وأُضللتم بذلك الابتلاء عن عبادة الله تبارك وتعالى"( ).
    31- الموضع الحادي والثلاثون: قول الحق سبحانه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: 131].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء".
    وفي هذه الآية الكريمة يخاطب الله تبارك وتعالى نبيه محمدا  بألا يجعل لزهرة الدنيا وزنا، فإنه لا بقاء لها( ).
    32- الموضع الثاني والثلاثون: قول الله جل شأنه: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، أي: نختبركم بالشدة والرخاء، والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم"( ).
    33- الموضع الثالث والثلاثون: قول الله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأنبياء: 111].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، أي: "لعل الإمهال اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم"( ).
    34- الموضع الرابع والثلاثون: قول المولى عز وجل: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ
    [الحج: 11].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "البلاء".
    والآية الكريمة تحكي حال المنافق، فهو إن صلحت له دنياه أقام على دينه، وإن فسدت عليه دنياه ترك الدين ورجع إلى الكفر( ).
    35- الموضع الخامس والثلاثون: قول الحق سبحانه: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الحج: 53].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الضلالة"( ).
    36- الموضع السادس والثلاثون: قول الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63].
    ومعنى الفتنة هنا: هو فتنة القلب من كفر، أو نفاق، أو بدعة( ).
    37- الموضع السابع والثلاثون: قول الله جل شأنه: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان: 20].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الامتحان"، أي: "وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض"( ).
    38- الموضع الثامن والثلاثون: قول الله سبحانه: قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل: 47].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء". قال قتادة رحمه الله تعالى: "تبتلون بالطاعة والمعصية"( ).
    39- الموضع التاسع والثلاثون: قول الحق جل شأنه: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 - 3].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء"، أي: "إن الله تعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عنده من الإيمان"( ).
    40- الموضع الأربعون: قول المولى سبحانه: فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: 10].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الأذى"، أي: "يجعل إيذاء الناس له في الدنيا كعذاب الله تعالى في الآخرة، حتى يرتد عن إيمانه"( ).
    41- الموضع الحادي والأربعون: قول الله تبارك وتعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا
    [الأحزاب: 14].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الكفر"، أي: "إنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع"( ).
    42- الموضع الثاني والأربعون: قول الله عز سلطانه: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [الصافات: 62 - 63].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، أي: "إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب"( ).
    43- الموضع الثالث والأربعون: قول الله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات: 161 - 162].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الإضلال"، أي: "ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل"( ).
    44- الموضع الرابع والأربعون: قول الله سبحانه: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص: 24].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما( ).
    45- الموضع الخامس والأربعون: قول الحق سبحانه: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص: 34].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء"، وسبب ابتلاء نبي الله سليمان عليه السلام أنه قال: "لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله"، ولم يقل: "إن شاء الله"، فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل، وهذا الشق هو الجسد الذي القي على كرسيه حين عرض عليه( ).
    46- الموضع السادس والأربعون: قول الله جل شأنه: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 49].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "بل عطيتنا إياهم تلك النعمة من بعد الضر الذي كانوا فيه فتنة لهم، يعني: بلاء ابتليناهم به، واختبارا اختبرناهم به"( ).
    47- الموضع السابع والأربعون: قول الله عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الدخان: 17].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، أي: "ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر"( ).
    48- الموضع الثامن والأربعون: قول الحق سبحانه: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: 13 - 14].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "التعذيب والتحريق"، كما قال ذلك ابن عباس، ومجاهد، والحسن وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، سفيان الثوري( ).
    49- الموضع التاسع والأربعون: قول الله تبارك وتعالى: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ [القمر: 27].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، حيث "أخرج الله تعالى لقوم صالح عليه السلام ناقة عظيمة عشراء من صخرة صماء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به"( ).
    50- الموضع الخمسون: قول الله جل شأنه: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ [الحديد: 14].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "النفاق"، أي: "إنهم فتنوا أنفسهم بنفاقهم، فاستحقوا العقاب على ذلك بإطفاء النور عنهم"( ).
    51- الموضع الواحد والخمسون: قول الله عز سلطانه: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة: 5].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار" كما سبق.
    52- الموضع الثاني والخمسون: قول الله سبحانه: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن: 15].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار" كما سبق.
    53- الموضع الثالث والخمسون: قول الله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: 5 - 6].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الضلال"، أي: "فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم"( ).
    54- الموضع الرابع والخمسون: قول المولى عز وجل: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [الجن: 16 - 17].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الابتلاء والاختبار"، أي: "لنبتليهم من على الهداية ممن يرتد إلى الغواية"( ).
    55- الموضع الخامس والخمسون: قول الله سبحانه: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: 31].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الاختبار"، أي: "إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس"( ).
    56- الموضع السادس والخمسون: قول المولى جل شأنه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: 10].
    ومعنى الفتنة هنا: هو "الإحراق"، أي "حرقوا المؤمنين والمؤمنات" كما في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغيرهم( ).
    وبهذا الحصر يعلم أن الفتنة قد كثير ورودها في كتاب الله تبارك وتعالى، وما ذلك إلى لخطورة شأنها، وشدة تأثيرا على الأفراد والجماعات، نسأل الله سبحانه السلامة من نزغات الهوى ومضلات الفتن.

    المبحث الثالث
    الفتنة في السنة المطهرة
    تضافرت الأحاديث الكثيرة في سنة النبي الريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وتظاهرت على حدوث الفتن في واقع الأمة المسلمة في آخر الزمان.
    ومن تلك الأحاديث ما ثبت في الصحيحين من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «ستكون فتن القاعدة فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به»( ).
    وما ثبت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج». قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: «القتل»( ).
    وما ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي : «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل»( ).
    وما ثبت في سنن ابن ماجه رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قام رسول الله  فخطبنا، فقال «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرا له، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وإن آخرهم يصيبهم بلاء وأمور تنكرونها، ثم تجيء فتن يرقق بعضها بعضا، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء فتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف»( ).
    بل إن تلك الفتن ستشتد آخر الزمان شدة عظيمة تخرج عن نطاق التحمل، لدرجة أن المسلم يذهب إلى المقبرة ويتمنى أن لو كان أحد أمواتها قبل حدوث هذه الفتن، ففي المتفق عليه من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه»( ).
    فهذه الفتن ـ نسأل الله تعالى السلامة من مضلاتها ـ قد كسر بابها فلن يغلق أبدا، لما ثبت في الصحيحين أن الخليفة الراشد المحدث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل خبير أحاديث الفتن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن الفتن التي تموج كموج البحر؟، فقال: "ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا" قال عمر: "أيكسر الباب أم يفتح؟"، قال: "بل يكسر"، قال عمر: إذا لا يغلق أبدا"( ).
    وإذا فتح باب الفتن بلا إغلاق، فإن هذه الفتن لا تزال تباعا تخيم على الأمة بظلماتها، حتى يأذن الله تبارك وتعالى بقيام الساعة، كما ثبت ذلك في حديث الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم»( ).
    ومن هذا الاستعراض الموجز يتبين بجلاء أن دواوين السنة المطهرة المنقولة أحاديثها عمن لا ينطق عن الهوى رسول الرحمة والهدى عليه الصلاة والسلام، قد حفلت بالأخبار الكثيرة والمستفيضة عن حدوث تلك الفتن في واقع الأمة ولا محالة، فنسأل الله تعالى العون والتسديد والتثبيت.
    المبحث الرابع
    العلاقة بين الفتنة في اللغة
    والفتنة في الكتاب والسنة
    العلاقة بين معنى "الفتنة" في اللغة العربية، ومعنى الفتنة في الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة علاقة وثيقة جدا، فإن القرآن الكريم في جميع مواضع ورود لفظ "الفتنة" فيه أطلق ذلك اللفظ على معان متعددة، وتلك المعاني هي: الابتلاء، الاختبار، النفاق، الإحراق، الإثم، الحرج، القتل، الأسر، الخداع، العذاب، الصد، الإضلال، الكفر، الشرك، والأذى.
    وهذه المعاني القرآنية كلها يجمعها قاسم مشترك أعظم، وهو "الابتلاء"، وقد سبق أن هذا المعنى هو الجامع للمعاني اللغوية التي فسر بها العرب لفظ "الفتنة" في لسانهم.
    وكذلك المتأمل في سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يجد أن لفظ "الفتنة" فيها يدور حول معنى واحد يرجع إليه كل أنواع الفتن، وهو "الابتلاء"، سواء كان هذا الابتلاء بالقتل، كما ثبت في حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج،»، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل القتل»( ).
    أو كان ذلك الابتلاء بقلة العلم وفشو الجهل، كما ثبت في الصحيحين من حديث الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل»( ).
    أو كان ذلك الابتلاء بالصد عن الدين، كما ثبت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»( ).
    أو كان ذلك الابتلاء بجور السلطان، كما جاء في حديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي  قال: «ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم»( ).
    وبهذا تكون السنة المطهرة دليلا مؤكدا للمعنى اللغوي الجامع للفتنة وهو "الابتلاء"، كما سبق بيان ذلك في موضعه، مما يدل على أن معنى "الفتنة" في الكتاب والسنة هو بعينه معنى "الفتنة" في لغة العرب، ولا غرو في ذلك فإن القرآن الكريم نزل باللسان العربي المبين، والسنة المطهرة قد نطق بها أفصح من تكلم بالعربية عليه الصلاة والسلام.

    المبحث الخامس
    الفتنة في العرب الشرعي
    علمنا فيما سبق أن "الفتنة" في اللسان العربي تطلق على معنى جامع، وهو "الابتلاء"، وهذا المعنى الجامع هو الذي أيدته نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة من خلال الآيات والأحاديث التي تم استعراضها آنفا.
    وأما "الفتنة" في العرف الشرعي، فهي لا تخرج بحال عن المعنى اللغوي الجامع، إذ يمكن تعريفها بأنها: ما يصيب المسلم من خير أو شر في دينه أو دنياه.
    وبناء على هذا التعريف الشرعي، فإن "الفتنة" كما تكون بالشر تكون بالخير أيضا، بل ربما تكون الفتنة بالخير أشد من الفتنة بالشر، ويؤيد ذلك ما أخبرنا به الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه حين قال: "ابتلينا مع رسول الله  بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر"( ).
    ومن هنا فإن الله تعالى جعل ما ينعم به على عباده من نعمة الأموال والأولاد والزوجات فتنة، كما دل على ذلك في قوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال: 28].
    وكما دل على ذلك أيضا قوله جل شأنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14].
    ومما يدل على أن "الفتنة" في العرف الشرعي هي الإصابة بالشر والخير قول الحق تبارك وتعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35].
    حيث جعل المولى سبحانه الابتلاء بالشر والخير هو الفتنة بعينها.
    وعلى ذلك، فالتطابق بين التعريف اللغوي والتعريف الشرعي للفتنة ظاهر بين، فكلاهما يدور في فلك "الابتلاء والاختبار"( ).

    المبحث السادس
    أقسام الفتن باعتبار زمن حدوثها
    تنقسم الفتن باعتبار زمن حدوثها إلى قسمين رئيسيي، وهما:
    1- القسم الأول: (فتن عامة):
    وهذه الفتن إنما اكتسبت صفة العموم لكونها تشمل جميع أزمن الناس، منذ الزمن الذي وجد فيه أبو البشر آدم عليه السلام، الذي ابتلاه الله تبارك وتعالى بالنهي عن الأكل من شجرة معينة في الجنة، ففتنه الشيطان بالأكل منها، وفي ذلك يقول المولى سبحانه: وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف: 19 - 22].
    ويقول سبحانه: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: 120 - 122].
    وستستمر تلك الفتن في ذريته عليه السلام إلى أن يرث الله تبارك وتعالى الأرض ومن عليها.
    وهذه الفتن العامة في زمانها تتنوع إلى عدة أنواع، ومن أهمها على الإطلاق ثمان، وهي كما يلي:
    1- الفتنة الأولى: (فتنة الشيطان): فإن الشيطان بعد أن فتن نبي الله آدم عليه السلام، حتى تسبب في إهباطه من الجنة إلى الأرض، فقد قطع على نفسه العهود والمواثيق بإفتان البشر وإغوائهم إلى يوم القيامة، وهذا ما أخبرنا به الحق سبحانه عنه في قوله تعالى: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 62].
    ويبين لنا الحق سبحانه عظم فتنة الشيطان لبني آدم، فيقول عز وجل في شأنه: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16 - 17].
    ومن هنا فقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى من إفتان الشيطان لنا بقوله سبحانه: يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 27].
    وأمرنا سبحانه بأن نتخذ هذا الشيطان عدوا، فقال جل شأنه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6].
    والحكمة من الأمر باتخاذه عدوا هي الحذر من الإفتتان بهمزاته ونفثاته ونزغاته؛ لأن العاقل لا يثق بمن تبين عداوته له، وتحقق من حقده عليه.
    وموقف المسلم من فتنة الشيطان هو اللجوء إلى الله تعالى بصدق ويقين، وهذا هو العلاج الرباني الذي أرشدنا إليه المولى سبحانه للنجاة من هذه الفتنة العظيمة في قوله عز سلطانه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 36].
    2- الفتنة الثانية: (حب العيش وكراهية الموت)، وهذه ـ بلا شك ـ فتنة عظيمة، تجعل المفتون بها متعلقا قلبه بحب الحياة وطول البقاء في الدنيا، ويكفي بتلك الفتنة شؤم عار على صاحبها أنه متأس في ذلك باليهود، ومقتد بالمنافقين، ومخالف لهدي الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام، ولما كان عليه أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
    أما التأسي باليهود، فلأن من أعظم صفاتهم الذميمة الحرص الشديد على الحياة، وهذا ما أخبر به العليم الخبير سبحانه عنهم في كتابه الكريم بقوله جل شأنه: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [البقرة: 96].
    وأما الاقتداء بالمنافقين، فلأن من أعظم صفاتهم إيثار الحياة على الموت في سبيل الله تعالى، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه في شأنهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: 81].
    وأما المخالفة لهدي النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولصحابته الغر الميامين رضي الله تعالى عنهم ورفع درجاتهم في عليين، فلأن ديدنهم المعهود عنهم طيلة حياتهم إنما هو تقديم الأرواح فداء لدينهم عقيدتهم، حتى رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه.
    وإذا أراد المسلم الانتصار على تلك الفتنة، فليكن موقفه موقف التأسي برسول الله  في هذه الصفة الإيمانية العظيمة، امتثالا لقول الحق سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].
    3- الفتنة الثالثة: (الهوى)، ويكفي في الفتنة به أنه سبب رئيس للضلال عن الهدى، كما قال سبحانه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 43 - 44].
    كما يكفي في الفتنة به أنه سبب رئيس للختم على السمع والقلب وجعل الغشاوة على البصر، ليكون هذا المفتون بعيدا عن أسباب الهداية، وفي ذلك يقول المولى سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23].
    كما يكفي في الفتنة به أنه يخلد بصاحبه إلى الأرض، فيكون مكبلا في التراب والطين، بحيث لا يجد للرفعة سبيلا، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف: 176].
    وعلى المسلم الحق أن يقف بحزم ضد هوى نفسه، خوفا من الله تبارك وتعالى، ورجاء في جنته، وهذا ما وعد به سبحانه بقوله: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40 - 41].
    4- الفتنة الرابعة: (الدنيا)، فهي غرارة خداعة، تتزخرف للإنسان حتى ينشغل بلذتها الفانية عن سعادة الآخرة الباقية، ومن هنا فقد حذر الله تبارك وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من مد عينيه إلى زهرة الدنيا، حيث قال له سبحانه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: 131].
    كما حذر سبحانه عموم عباده من الاغترار بها، حيث قال عز سلطانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [فاطر: 5].
    وذلك أن من أشرب قلبه حب الدنيا آثرها على الآخرة، وهذا هو بريد البوار والهلاك، كما قال المولى سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: 7 - 8].
    والمسلم الحق هو الذي يقف من هذه الدنيا موقف منتهز الفرص، بحيث يجعلها مطية للدار الآخرة، بإعمارها بطاعة الله تعالى وعبادته، هي الفطنة والكياسة، كما قال الشاعر:
    إن لله عبادا فطنا

    ط
    طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    نظروا فيها فلما علموا

    أنها ليست لحي وطنا

    جعلوها لجة واتخذوا

    صالح الأعمال فيها سفنا

    5- الفتنة الخامسة: (المال)، وليس خافيا على أحد تعلق الناس بالمال، والسعي إلى تحصيله وتكديسه، بدافع حبهم له وحرصهم عليه، كما قال المنعم سبحانه مبينا هذه الحقيقة الغريزية للإنسان: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 20].
    وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8].
    ولا ضير على المسلم أن يسعى إلى جمع المال المكتسب بالطريق المشروع، إذا كان يعرف حق الله تبارك وتعالى فيه، ويحرص غاية الحرص على إيصال ذلك الحق إلى ذويه، فإن المال زينة الحياة كما قال المولى سبحانه: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
    [الكهف: 46].
    ولكن الضير كل الضير أن يفتتن المسلم بهذا المال، بحيث يجعل التحاكم إليه ولاء وبراء، فلا يحب إلا من أجله، ولا يبغض إلا في سبيله، فهذا دليل العبودية للمال التي تؤول بصاحبها إلى تعاسة الحال والمآل، كما ثبت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله  قال: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض»( ).
    والمال الذي تصل فتنته بصاحبه إلى هذه المرتبة، يكون عذابا عليه في الدنيا قبل الآخرة، وهذا ما أخبر الله تبارك وتعالى به عن المنافقين، حين قال سبحانه في شأنهم مخاطبا نبيه محمدا : فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 55].
    6- الفتنة السادسة: (الزوجة)، وذلك أن بعض الأزواج قد يدفعه تعلقه بزوجته، أو يدفعه ضعف شخصيته أما إرادتها، إلى التنازل عن الكثير من أمور الدين، فيتحول بسبب ذلك من الاستقامة على منهج الرحمن إلى المخالفة والعصيان، حتى لا يجرح شعور زوجته بفعل شيء ليست فيه براغبة، وهذه ـ بلا شك ـ فتنة عظيمة تقود إلى الفسق الذي حذر منه الحق سبحانه في قوله قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاك

    ( ) القطط: هو الشعر الجعد القصير. (لسان العرب، مادة "قطط" 7/380).
    ( ) أخرجه مسلم في كتاب "الفتن"، باب "ذكر الدجال". (صحيح مسلم بشرح النووي 18/63 – 65).
    ( ) أخرجه مسلم في كتاب "الفتن وأشراط الساعة"، باب[


    _________________
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    [img]
    avatar
    amal
    مدير عام
    مدير عام

    عدد المساهمات : 584
    نقاط : 3152
    تاريخ التسجيل : 09/04/2009
    العمر : 37
    الموقع : http://tita.yoo7.com

    رد: لفتن وموقف المسلم منها(ورؤية شرعية تأصلية

    مُساهمة  amal في السبت يونيو 26, 2010 9:04 am

    منها عصم من فتنة الدجال بإذن الكبير المتعال تبارك وتعالى، لما ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله  قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال»( ).
    وكذلك فإن النبي  حين أخبر أمته بأن من الفتن التي ستكون بين يدي الساعة طلوعا لشمس من مغربها، كما ثبت ذلك في حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها»( ).
    حين أخبر عليه الصلاة والسلام أمته بذلك، إنما أراد  بهذا الإخبار أن يحثهم على المبادرة إلى التوبة قبل حلول تلك الفتنة، وهذا ما دل عليه حديث الصحابي الجليل صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله : «إن من قبل مغرب الشمس بابا مفتوحا، عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو سكبت في إيمانها خيرا»( ).
    فهذان الأمران الرئيسان هما الحكمة الشرعية من إخبار النبي  أمته بما سيكون في آخر زمانها من الفتن، وذلك جزء لا يتجزأ من رحمة الله تبارك وتعالى بأمة نبيه محمد ، حتى تكون على هدي من دينها، وعلى بينة من أمرها.
    وإذا ثبت أن حدوث تلك الفتن أمر حتمي لا مفر منه؛ لأنه قدر الله تبارك وتعالى مشيئته، فلنتساءل: ما مصدر الفتن التي ستقع على الأمة: هل مصدرها خارجي من غير الأمة، أو أن مصدرها داخلي من تلقاء أنفسها؟.
    هذا ما سيتناول الجواب عنه المبحث الثامن، بمشيئة الله تعالى.
    المبحث الثامن
    مصدر الفتن التي تقع على الأمة
    من تأمل النصوص الشرعية الواردة في سنة النبي ، يجدها واضحة وصريحة في أن مصدر الفتن التي تقع على الأمة المسلمة إنما هو من داخلها، وليس من خارجها، فعند الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل عامر بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله  أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا، فقال : «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»( ).
    وعند الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه قال: صلى رسول الله  يوما صلاة فأطال فيها، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلت اليوم الصلاة؟ قال: «إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله عز وجل لأمتي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ورد علي واحدة، سألته ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يهلكهم غرقا فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فردها علي»( ).
    فالله عز وجل قد وعد رسوله محمدا  بألا يسلط على هذه الأمة عدوا من غيرها يستبيح بيضتها، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الفتن التي ستصيب المسلمين إنما هي بسبب منهم، لا بسبب من غيرهم.
    وقد يقول القائل: إن العدو المسلط على الأمة الآن هو من غيرها، وليس منها؟.
    والجواب عن هذا يكون بسؤال، مفاده: من الذي مهد الطريق للعدو الخارجي من السيطرة على المسلمين؟.
    الأمة المسلمة هي التي مهدت الطريق لسيطرة العدو الخارجي عليها، نتيجة تخليها عن تعظيم دينها، وعدم تحكيمه في جميع شؤون حياتها، وبتساهلها في إعداد القوة الرادعة التي تحمي حوزة الإسلام وبيضة المسلمين، وكأني بالأمة المسلمة يحكي حالها ـ بواقعها المرير الذي تعيشه في الوقت الحاضر ـ قول الحق سبحانه: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 165].
    فالله جل جلاله توعد من أعرض عن دينه بالمعيشة الضنك التي تعني الذلة والمهانة والخزي في الدنيا حين قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124].
    والنبي  حين بين لنا أن مصدر الفتن من داخل الأمة نفسها، إنما هو بذلك يؤكد لنا تلك الحقيقة الناصعة التي ذكرها الحق تبارك وتعالى في كتابه العظيم، بقوله سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].
    وبقوله جل شأنه: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].
    وهذا يقودنا إلى إلقاء الضوء ـ ولو بشكل يسير ـ على أهم أسباب حدوث الفتن في واقع المسلمين، وهو موضوع المبحث التاسع بمشيئة الله تعالى.

    المبحث التاسع
    أسباب حدوث الفتن
    هذه الأسباب كثيرة ومتعددة، ولعل من أهمها على الإطلاق ما يأتي:
    1- مخالفة منهج الله عز وجل، الذي أنزله على رسوله محمد ، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63].
    ومخالفة المنهج الرباني إنما تكون بدعم الاستجابة لله جل شأنه، ولرسوله  التي أمر بها سبحانه في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 24 - 25].
    وعطف الله تبارك وتعالى الأمر باتقاء الفتنة على الأمر بالاستجابة له سبحانه ولرسوله  دليل على التلازم بينهما.
    فمن أراد السلامة من الفتن فليحرص غاية الحرص على تلك الاستجابة، وإلا وقع في الفتنة التي تضل القلب وتعمي البصر.
    والمتأمل في واقع الأمة الإسلامية اليوم يدرك بثاقب بصره مدى المخالفة الكبيرة لمنهج الله عز وجل التي وقع فيها كثير من المسلمين، فكانت سببا رئيسا في فتنتهم وتسلط الأعداء عليهم.
    2- نقض عهد الله تبارك وتعالى وعهد رسوله .
    أما عهد الله عز وجل فهو الميثاق المؤكد الذي أخذه المولى سبحانه على عباده وهم نطف في أصلاب آبائهم، وهو أن يقروا بربوبيته سبحانه وحده لا شريك له، فيخلصوا له العبادة، ويمحضوا له التوحيد، وفي ذلك يقول جل شأنه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172].
    وقد نقض كثير من المسلمين عهد الإقرار بلازم الربوبية، وهو إخلاص العبادة له سبحانه، حين أوقعوا أنفسهم في كثير من أنواع الشرك والبدع وهم يحسبون أنهم بذلك يحسنون صنعا، حتى صدق عليهم قول الحق تبارك وتعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106].
    فأنى اتجهت إلى بلد من بلدان المسلمين تجد تفشي البدع والخرافات التي تبعد الناس عن جوهرا لدين ونقاء العقيدة، حتى حصل لديهم هشاشة في التدين، وضعف واضح في الانتماء للإسلام، لدرجة أن بعضهم لا يعرف من الإسلام إلا اسمه فقط، ولذلك أثره الكبير في الانتكاس عن الفطرة، والارتكاس في حمأة الفتنة.
    وأما عهد الرسول  فهو وصيته لهذه الأمة بالتمسك بالكتاب والسنة، وبيان أن هذا التمسك هو العاصم لها من الضلال والهلاك، كما ثبت في حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي»( ).
    وكما ثبت في حديث الصحابي الجليل العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»( ).
    والمتأمل في الواقع المنظور ـ ويا للأسف الشديد ـ يدرك مدى البعد الشاسع بين الأمة الإسلامية والتمسك الحقيقي بالكتاب والسنة، فلا الحكام ـ إلا من رحم الله تعالى، وقليل ما هم ـ يحتكمون إليهما في تيسير أمور الدولة والرعية، وإنما يسوسون تلك الأمور بالقوانين الوضعية، وهذه جاهلية عمياء قد أنكرها الحق تبارك وتعالى بقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
    وليس هناك فتنة أدهى من فتنة الانتقال والتحول من نور الحق والهدى إلى ظلمة الجاهلية والهوى.
    ولا المحكومون يحتكمون في شؤونهم الخاصة والعامة إلى هدي الكتاب والسنة، بل إلى ما توارثوه عن آبائهم وأقوامهم من عادات وتقاليد وإن كانت في ظاهرها وباطنها مخالفة لكتاب الله عز وجل ولسنة رسوله ، وكفى بالمرء فتنة أن ينفي عنه الحق تبارك وتعالى الإيمان بسبب هذا الصنيع، حين قال سبحانه مخاطبا نبيه محمدا : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
    [النساء: 65].
    ولقد حذر النبي  أمته أشد التحذير من نقض عهد الله عز وجل وعهد رسوله عليه الصلاة والسلام، وبين لهم بكل وضوح أن ذلك سبب رئيس من أسباب تسليط الأعداء عليها، ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي  قال: «ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم»( ).
    3- ضعف الولاء بين المسلمين، وذلك ـ ويا للأسف الشديد ـ ناتج عن عدم استشعار الرابطة الحقيقية التي تربط بينهم مهما تباعدت أقطارهم وتباينت أجناسهم، وهي الأخوة الإيمانية التي أكدها الحق تبارك وتعالى بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
    تلك الأخوة الإيمانية التي تجعل المؤمن وليا لأخيه المؤمن، كما قال المولى سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71].
    تلك الأخوة الإيمانية التي تجعل المؤمن مع أخيه المؤمن كالجسد الواحد الذي يتألم كله بتألم جزء يسير منه، كما أكد ذلك النبي  بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»( ).
    ويوم أن يكون المؤمن وليا لأخيه المؤمن، وهو يستشعر في قرارة نفسه أنه معه كالجسد الواحد فحينئذ لا يمكن أن يظلمه في حق من حقوقه، ولا يمكن أن يسلمه لعدو من أعدائه ليظفر منه ببغيته، ولا يمكن أن يخذله في موقف يجب عليه فيه نصرته ومؤازرته، وهذا ما أكده النبي  بقوله: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره»( ).
    ويوم أن يضعف ذلك الولاء بين المسلمين فلا يبالي بعضهم ببعض، فإن نتيجة ذلك الفتنة في الأرض والفساد الكبير،ـ كما قال الحق تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73].
    والواقع المشاهد يؤيد ذلك، فإن المسلمين حين قطعوا رابطة الولاء بينهم تشرذموا فرقا وأوزاعا وأحزابا حتى تفرقت كلمتهم، وتبددت وحدتهم، وتبعثرت صفوفهم، فضعفت قوتهم، وخارت عزائمهم، وذهبت ريحهم، فأصبحوا لقمة سائغة في أفواه أعدائهم.
    4- الاغترار بما يروج له الكفرة والملحدون، والانبهار بما لديهم من حضارة واهية ومدنية زائفة، الأمر الذي نشأ عنه انعدام العزة بالإسلام، وفقد الثقة بالنفس، حتى ارتمى عدد كبير من المسلمين في أحضان أعداء الملة والدين، فأخذوا يعبون عبا من ثقافتهم الفاسدة، وينكبون كبا على تجارة أخلاقهم الكاسدة، ففتنوا بذلك عن هدي الكتاب والسنة، والعياذ بالله من الخذلان.
    هذا الاغترار والانبهار بما عليه أعداء الإسلام هو ما حذر منه أشد التحذير الحق تبارك وتعالى نبيه محمدا ، حين قال له: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49].
    وهذا الاغترار والانبهار أيضا هو ما أخبر النبي  بحدوثه في واقع أمته، ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذرعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟»، أي: فمن المتبع غيرهم( ).
    فهذا الاتباع الأهوج الأرعن من قبل من اغتروا وانبهروا بأعداء الإسلام والمسلمين كانت نتائجه سقوطهم في الفتنة، فأصبحوا بعد ذلك سوسة تنخر في جسم الأمة باسم الدفاع عن حقوقها والارتقاء بحضارتها، وقد وجدوا ـ ويا للأسف الشديد ـ في مجتمعاتهم آذانا صاغية وقلوبا واعية اغترارا بمعسول كلامهم، وانخداعا ببريق شعاراتهم، وهم في واقعهم وحقيقتهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها؛ لأنهم يلبسون على الناس دينهم الحق، ويضلون عن المعتقد الصحيح، كما قال المولى سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7].
    5- ظهور الفاحشة، وانتشارها حتى تعم الكبار والصغار، ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قيل: يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وينبغي التنبه لهذا السؤال، فهو متعلق بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أكد الحق تبارك وتعالى وجوبه في كتابه العظيم في مواضع متعددة، والذي أكد وجوبه أيضا الرسول  في مواضع كثيرة من سنته المطهرة، مما حدا ببعض أهل العلم إلى أن يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام العظام، ومع ذلك كله يسأل الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم رسولهم عليه الصلاة والسلام عن الوقت الذي يتركون فيه هذا الواجب المؤكد المحتم، فيجيبهم  عن سؤالهم بقوله: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم»، قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم»( ).
    ولا يخفى ما ينشأ عن انتشار الفاحشة من ضعف الدين، وفساد الخلق، وانعدام الحياء، وتلك فتن لا يستهان بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
    هذه هي أهم أسباب حدوث الفتن في واقع الأمة الإسلامية التي تطعنها في الصميم فتصيب المقتل منها.

    المبحث العاشر
    موقف المسلم من الفتن حين حدوثها
    من أجل أن يحسن المسلم كيفية التعامل مع هذه الفتن حين تحدث في محيط الأمة وتعصف بواقعها، فلابد من أن يكون لها منها موقف رشيد، وهذا الموقف الرشيد يتحقق بأمور أساسية، هي العواصم - بتوفيق الله تبارك وتعالى وعونه - من قواصم الغواية ومضلات الهوى. وتلك الأمور الأساسية ثلاثة، هي على النحو التالي:
    * الأمر الأول: التثبت في الفتنة، وذلك بسلوك مسلكين رئيسين:
    1- المسلك الأول: التأكد التام من أن هذه الفتنة هي المعنية بذاتها في النص الشرعي الوارد عن النبي ، فلا يجوز للمسلم عند حدوث أية فتنة أن يجزم بأن هذه الفتنة هي ما أخبر به النبي  في حديث كذا وكذا، وهو لم يتبين بعد حقيقة الأمر، بل غاية ما لديه ظن وتخمين، وهذا ضرب من ضروب القفو بغير علم الذي نهى الله تبارك وتعالى عنه بقوله: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36].
    والتأكد التام من عين الفتنة الحادثة إنما يكون بالرجوع إلى أهل العلم، فهم الأقدر على تجلية حقيقة الأمر، ولذلك فقد أرشد الله جل شأنه عباده إلى هذا المسلك بقوله سبحانه: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83].
    2- المسلك الثاني: كف اللسان في الفتنة، فلا يجوز التخوض فيها بتحريض بعض المسلمين على بعض بما يفضي إلى تأجيج نارها وتوسيع دائرة البلاء بها، فإن آفة اللسان هنا خطيرة جدا، ولذلك فقد حذر النبي  من إطلاق اللسان في الفتن، ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي  قال: «تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف»( ).
    ومعنى "تستنظف العرب" أي: تقتلهم وتهلكهم جميعا.
    * الأمر الثاني: الثبات على الدين الحق، فإذا تبين المسلم أن هذه الفتنة الواقعة هي التي عناها النبي  في خبره، فليثبت حينئذ على دينه الحق وعلى معتقده الصحيح، حتى لا تزل به القدم فيجرفه تيار تلك الفتنة فيخسر الدنيا والآخرة، وهذا ما حذر منه المولى تبارك وتعالى أشد التحذير، حين قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
    [الحج: 11].
    وحين قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: 10].
    فالفتنة إذا وقعت واستحكمت انقسم الناس فيها فريقين: ساقط مخدوش، وناج مسلم، ومن هنا فإن النبي  قد أشدنا إلى أن ندعو بهذا الدعاء في ختام التشهد الأخير: «ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال».
    * الأمر الثالث: الصبر على شدة الفتن، واحتساب الأجر فيها عند الله تبارك وتعالى، فذلك طريق الرحمة وسبيل الهداية، كما قال المولى سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
    [البقرة: 155 - 157].
    فالصبر هو سلاح المؤمن الذي يتقي به شر تلك الفتن، ومن هنا فقد أمر به النبي  أمته، ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم»( ).
    فهذه الأمور الثلاثة لابد من أن يحققها المسلم في واقع نفسه حين تعصف الفتن بواقع الأمة؛ لأنها مطلب شرعي يقي من الشرور، وينجي من الأخطار بحول الله تبارك وتعالى وقوته.
    المبحث الحادي عشر
    موقف المسلم من إسقاط أحاديث الفتن
    على أحداث آخر الزمان
    هذا الجانب ـ ولا شك ـ له خطورته البالغة، غذ هو محل مجازفة عند بعض الناس، ناسين أو متناسين أنه لا يجوز للمسلم أن يحكم بإسقاط أحاديث الفتن على أحداث آخر الزمان بمجرد التخمين، بل لابد من أن يكون ذلك مبنيا على ضوابط شرعية، يجب أن تكون مرعية لديه حين القول بالإسقاط، وتلك الضوابط ثلاثة، سأذكرها باختصار شديد حتى تثبت في الذهن:
    الضابط الأول: أن يكون الحكم بالإسقاط ناشئا عن رؤية عينية حقيقية لذات الحدث الذي أخبر النبي  بوقوعه في آخر الزمان.
    مثال ذلك: أن يرى بأم عينيه انحسار نهر الفرات عن كنز من ذهب، فإذا رأى ذلك رأي العين جاز له حينئذ أن يقول: هذا مصداق ما أخبر به النبي  فيما ثبت من حديث الصحاب الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا»( ).
    الضابط الثاني: أن يكون الحكم بالإسقاط ناشئا عن التأكد التام من توافر الأوصاف الشرعية التي ذكرها النبي  في ذات الحدث.
    مثال ذلك: (المسيح الدجال)، فإن النبي  حين أخبر أمته بخروجه فيهم في آخر الزمان، ذكر لهم بكل وضوح أوصافه التي يكون عليها، ومنها: أنه أعور، وأنه مكتوب بين عينيه "كافر"، وأن معه جنة ونارا، فناره جنة، وجنته نار، وأنه يزعم أنه يحيي ويميت، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وأنه يمر على الأرض الخربة فيأمرها أن تخرج كنوزها، فينطلق فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ـ أي: كجماعة النحل ـ، إلى غير ذلك من الأوصاف التي ذكرها لنا النبي  في المسيح الدجال.
    فإذا توافرت تلك الأوصاف فيمن ادعى بأنه الدجال صح حينئذ إسقاط حديث المسيح الدجال عليه، وإلا فلا.
    الضابط الثالث: أن يكون الحكم بالإسقاط ناشئا عن انطباق الواقع المعاش على مضمون الخبر المنقول عن النبي .
    مثال ذلك: ما فرضه الغرب على بلاد المسلمين في وقتنا الحاضر مما اصطلحوا عليه باسم "العولمة" التي هي في حقيقتها تعني إخضاع الأضعف لسلطان الأقوى. فهذا المصطلح الخطير الذي فرضه الغرب واقع إذلال على المسلمين منطبق على مضمون ما أخبر به النبي ، وهو ما رواه الصحابي الجليل ثوبان رضي الله تعالى عنه أن النبي  قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قيل: يا رسول الله فمن قلة يومئذ؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت»( ).
    ونظرا لشدة خطورة فتنة "العولمة" على عقيدة المسلم فسيأتي الحديث عنها مفصلا ـ بمشيئة الله تعالى ـ في المبحث الحادي عشر، كمثال للفتن التي وقعت على الأمة في الوقت الحاضر.
    وخلاصة القول: إنه لابد من مراعاة تلك الضوابط الشرعية الثلاثة عند إسقاط أحاديث الفتن على أحداث آخر الزمان، فإن عدم رعايتها يوقع في أخطار جسيمة، تكون لها عواقب وخيمة في حياة الأمة المسلمة، ولعل أصدق مثال على ذلك في وقتها الحاضر ما ترتب على الاجتهاد الخاطئ الذي سلكه بعض المتأولين، حين أسقطوا حديث المهدي المنتظر على الرجل الذي ظنوه كذلك، حتى بايعوه ودعوا الناس إلى مبايعته بين الركن والمقام في مكة المكرمة، وانتهى بهم الأمر إلى انتهاك حرمة الحرم واستباحة الدم فيه.
    فهذا المقام - بلا شك - مزلة قدم خطيرة، لا يجوز الإقدام إلى طرق بابه إلا بعد تحقق تلك الضوابط الشرعية، فإنها عصمة للإنسان من الاجتهاد الخاطئ والتأويل الباطل، وهذا هو القول الفصل في موقف المسلم من الفتن حين حدوثها، فلا مجال للعاطفة، ولا مكان للحماس غير المسئول، بل هو موقف شرعي متزن منضبط، يجب على المسلم معرفته والإحاطة به، حتى لا تنجرف به الأهواء وتنحرف به السبل الهوجاء.
    المبحث الثاني عشر
    فتنة العولمة على عقيدة المسلم
    في ظل غياب الإسلام الحقيقي عن واقع الأمة المسلمة، افتقد المسلمون مكان الصدارة في العالم، وأصبحوا في ذيل القائمة بعد أن كانوا هم السادة والقادة، واستغل أعداء الإسلام فرصة ضعف المسلمين لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية التي روجوها بشعارات براقة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ومن ذلك "العولمة" التي أرادوا بها إفتان المسلم في عقيدته الإسلامية.
    والحديث عن فتنة العولمة على عقيدة المسلم سينحصر في ثلاثة محاول أساسية:
    المحور الأول: الجانب الفكري والثقافي.
    المحور الثاني: الجانب الاقتصادي والسياسي.
    المحور الثالث: الجانب الديني.
    أما ما يتعلق بالمحور الأول، هو: (الجانب الفكري والثقافي) فلا شك في أن ثقافة المسلم هي زاده الفكري الذي استقاه من ينابيع الإسلام العذبة، وذلك من واقع كتاب الله عز وجل، ومن واقع سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ذلكما المنهجان العظيمان اللذان هما معتصم المسلمين جميعا ودستور حياتهم، ومن هذين المنهجين العظيمين الكتاب الكريم والسنة المطهرة تكونت لدى المسلم ثقافة فكرية راسخة الأقدام والجذور، وتتجلى أهم ملامح هذه الثقافة الفكرية في عدد من المسلمات لدى المسلم، منها ما يأتي:
    1- المسلمة الأولى: أن العزة لله تبارك وتعالى جميعا، كما قال الحق سبحانه، وهو يخاطب نبيه محمدا : وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: 65].
    وإذا كانت العزة لله تعالى جميعا فهو مالكها والمتصرف فيها، يهبها لمن يشاء ويحرمها من يشاء، كما قال عز سلطانه: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26].
    وهذا شأنه أن يجعل المسلم دائما وأبدا مستعليا بإيمانه، فلا يحني رأسه للأعداء بأي حال من الأحوال، كما قال المولى سبحانه: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
    [آل عمران: 139].
    وأعداء الإسلام بطرحهم شعار "العولمة" أرادوا فتنة المسلم بزعزعة ثقته بأن العزة لله تعالى جميعا، وأن يقنعوه بطريقة أو بأخرى بأنهم هم أهل العزة الحقيقية التي لا تقاوم ولا تغالب، حتى يدب إلى نفسه الوهن فيستسلم للأعداء في ذلة متناهية لا تعرف للعزة سبيلا.
    2- المسلمة الثانية: أن الحاكمية المطلقة لله تبارك وتعالى وحده من غير منافس، وهذا ما أكده سبحانه لعباده المؤمنين بقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام: 57].
    وبقوله سبحانه: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88]. وإذا كانت الحاكمية المطلقة لله تبارك وتعالى فلا يملك أحد من الخلق أمر التحكم في مصالح العباد مهما بلغ من النفوذ، ومهما أوتي من قدرة وإمكانية، ولا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يكون قيما على تدبير شؤون الخلق، إذ أن ذلك خاص بمن له الحكم المطلق، وهو الله تبارك وتعالى، ولابد للمسلم من أن يعتقد ذلك حق الاعتقاد بحيث لا يشوب اعتقاده هذا شك ولا ارتياب.
    وأعداء الإسلام بطرحهم شعار "العولمة" أرادوا أن ينزلق المسلم في فتنة عقدية خطيرة تجعله يقتنع بأن أولئك الأعداء هم الحاكمون المتحكمون في هذا الكون، الذين بوسعهم أن يملوا على المسلمين ما يرغبون في إملائه عليهم، من غير أن يكون لهم حول ولا قوة في شيء من ذلك كله.
    3- المسلمة الثالثة: أن الله تبارك وتعالى هو المتصرف وحده في هذا الكون، وهو المدبر له وحده دون منازع له في تدبير شؤونه وتصريف أموره، فلا يتحرك متحرك إلا بقدرته، ولا يسكن ساكن إلا بقدره، وفي ذلك يقول سبحانه: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40].
    والعبد لا مشيئة له مطلقة في هذا الكون، بل مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى، كما قال سبحانه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29].
    وهذا ما أكده المعلم الأول والمربي الأكبر عليه الصلاة والسلام بقوله: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، لو اجتمعوا على أن يذروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف»( ) ولقد ذكر لنا الحق تبارك وتعالى إهلاكه لأقوام تطاولوا على سلطان تدبيره لهذا الكون، كما ذكر لنا ذلك عن فرعون حين قال سبحانه في شأنه: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: 38 - 40].
    وكما ذكر لنا ذلك عن عاد حين اغتروا بقوتهم حتى تناسوا بها قدرة الله تعالى عليهم، فقال سبحانه في شأنهم: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: 15 - 16].
    وأعداء الإسلام حين طرحوا شعار "العولمة" أرادوا أن يفتنوا المسلم بأنهم سادة هذا الكون، وأنهم أربابه المتصرفون فيه أمرا ونهيا ونفوذا، ناسين أو متناسين النواميس الكونية التي أكدها سبحانه، كما في قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81].
    وكما في قوله سبحانه: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43].
    وكما في قوله سبحانه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: 17].
    وكما في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ [المجادلة: 20].
    4- المسلمة الرابعة: أن الله تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء علما، فلا تخفى عليه من أعمال العباد خافية، كما أكد ذلك سبحانه في أكثر من موضع في كتابه الكريم، فقال جل شأنه: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء: 108].
    وقال سبحانه: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 29].
    وقال سبحانه: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: 19].
    وقال سبحانه: إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: 54].
    ولكونه سبحانه عليما بكل شيء فقد حذر جل وعلا عباده من نفسه، حتى يتقوه فلا يوقعوا أنفسهم في أسباب مؤاخذته وعقوبته، بارتكابهم ما نهى عنه من أقوال وأفعال، فقال سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران: 28].
    وقال سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30].
    وعقيدة المسلم الصحيحة تربيه دائما وأبدا على استشعار رقابة الله تبارك وتعالى عليه، فيحذر اشد الحذر من أن يفقد حيث أمر، أو أن يوجد حيث نهي، فهو بتلك العقيدة شديد المراقبة لله عز وجل وكأنه يراه، وهو وإن لم يكن يراه بعينه فهو يراه بقلبه استشعارا لعظمته، واستحضارا لعزته، وهذا هو حقيقة الإحسان الذي ترجمه أمين الرسالة محمد  لأمين الوحي جبريل عليه السلام حين قال له: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»( ).
    والمسلم الذي يتمرد على هذه العقيدة، فلا يربي نفسه على استشعار مراقبة الله تبارك وتعالى، وإنما يبارز ربه سبحانه بالمعصية حين يغلق عليه الأبواب ويكون في مأمن من رؤية الناس، فإن خسارته ستكون فادحة يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وفي ذلك يقول المولى جل شأنه: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: 89 - 90].
    وأعداء الإسلام وهم ينادون بالعولمة أرادوا بها أن تكون أنجع وسيلة وأنجح طريقة لإفتان المسلم بهتك عرضه، وطعن عفته في الصميم من خلال ما يبثونه من أفلام ومسلسلات الدعارة والعهر والفجور عبر الأطباق الفضائية التي انتشرت انتشارا مخيفا في أوساط المسلمين، لتغزوهم في عقر دورهم بكل ما يقوض بناء الفضيلة ويقيم صرح الرذيلة.
    والمسلم الذي يطلق العنان لشهوة نفسه، استجابة لنزوة حيوانية ونزغة شيطانية، هو بلا شك عامل تشجيع لأعداء الإسلام في تحقيق ما أرادوه من هذا الشعار فيما يتعلق بهدم عفة المسلمين وهتك أعراضهم. وهذا المسلم، وهو بهذه الحال لا يهدم عفته وعفة أهل بيته فحسب، بل إنه يناقض بذلك عقيدته التي تدعوه إلى الاستقامة على الدين والخلق الفاضل.
    كما أنه يسير في التيار المضاد لفطرته السليمة النقية التي فطره الله تبارك وتعالى عليها، كما قال سبحانه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30].
    تلك الفطرة النقية التي فطر الله تبارك وتعالى الناس عليها، قد تتعرض لمؤثرات تلوث نقاءها وتعكر صفاءها، كما أخبر بذلك النبي  بقوله في الحديث الذي رواه الصحاب الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»( ).
    وكما أن للأبوين أثرا كبيرا في انحراف فطرة أولادهم، فكذلك للأعداء أثر كبير في هذا الانحراف.
    وإزاء ذلك، فلابد للمسلم من أن يكون محافظا على سلامة فطرته، أمينا على عقيدته، من أجل أن يكون قادرا على مواجهة فتنة "العولمة" التي تهدف إلى إفساد الأخلاق والأعراض.
    أما ما يتعلق بالمحور الثاني، وهو (الجانب الاقتصادي والسياسي)، فإن من مبادئ عقيدة المسلم أن الله تبارك وتعالى هو المالك الحقيقي لأرزاق العباد، وليس ذلك لأحد من الخلق كائنا من كان، وهذا ما تضافرت عليه نصوص القرآن الكريم، كما في قوله سبحانه: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22].
    وكما في قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58].
    وكما في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: 3]. وكما في قوله سبحانه: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: 32].
    وأعداء الإسلام بطرحهم شعار "العولمة" أرادوا إفتان المسلم بتغيير هذه القناعة لديه، حتى يقتنع بأنهم هم المتصرفون في أرزاق الناس، وأن مصيرهم المعيشي بأيديهم فإن شاءوا أعطوا، وإن شاءوا منعوا.
    وهؤلاء الأعداء حين طرحوا شعار العولمة، وأرادوا به ضمن ما أرادوا السيطرة عليه التجارة العالمية، فإنما أرادوا بذلك أن يخضعوا سياسة الدول الإسلامية لهيمنة سياستهم، حتى تكون تلك الدول أداة طيعة لتحقيق مطامعهم، وتنفيذ مخططاتهم.
    والذي يجب التنبيه عليه في هذا الصدد، والذي لا ينبغي إهماله بأي حال من الأحوال، هو أن المسلمين أنفسهم هم الذين أتاحوا الفرصة لأعدائهم بالسيطرة الاقتصادية عليهم، لإهمالهم الواضح والظاهر في استثمار ما وهبهم الله تبارك وتعالى إياه من إمكانات اقتصادية هائلة مما تزخر به بلدانهم، وهذا بلا شك تقصير كبير ساعد أعداء الإسلام للظهور على المسلمين وفرض سيطرتهم الاقتصادية عليهم.
    وهذا التقصير يناقض عقيدة الإسلام التي تطالب المسلم دائما بأن يعد العدة، ويأخذ بأسباب القوة في سبيل مواجهة أعداء ملته ودينه، كما قال الحق سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60].
    وكما قال رسول الله : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»( ).
    أما ما يتعلق بالمحور الثالث، وهو: (الجانب الديني)، فإن أعداء الدين بطرحهم شعار "العولمة" أرادوا من ورائه إفتان المسلم بضعف انتمائه للإسلام، وذلك أن ضعاف الإيمان من هذه الأمة إذا رأوا بأم أعينهم أن أولئك الأعداء قد اكتسحوا الساحة من جميع جوانبها: سياسيا، واقتصاديا، وإعلاميا، وثقافيا، لم يسعهم الحالة هذه إلا أن يسيروا في ركابهم، ضاربين بعرض الحائط قيم الإسلام الفاضلة، ومثله العليا، وأخلاقه الحميدة، وهذا يدل على عظم الانهزامية النفسية، كما يدل على تميع الشخصية الإسلامية، وذلك أمر يناقض العقيدة التي تدعو المسلم إلى أن يكون عزيز النفس، متميز الشخصية، شديد التمسك بمثله وقيمه.
    وهذا التميع في شخصية المسلم نتيجة تقليده لأعداء الإسلام، بسبب فتنة العولمة، هو ما حذر منه المولى سبحانه بقوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].
    والمسلم الحق الذي أعطاه الله تبارك وتعالى البصيرة النافذة لا يغريه من أعداء الإسلام ما حققوه وأنجزوه، ولا يفتتن بما توصلوا إليه من سيطرة وغلبة واستعلاء، بل لا يزيده ذلك كله إلا ثباتا على دينه، ورسوخا في عقيدته، وشموخا إلى قمم العزة وذرى الكرامة، لعلمه الجازم بأن العاقبة للمتقين، وأن الله جل شأنه مظهر دينه على سائل الأديان رغم أنف كل كافر ومشرك، وهذا ما أكده سبحانه بقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 32 - 33].

    المبحث الثالث عشر
    موقف المسلم من إثبات الوقائع
    بالرؤى المنامية زمن الفتن
    يتعلق بعض الناس بالرؤى المنامية تعلقا قد يصل به في بعض الأحيان إلى درجة القناعة التامة بأن تلك الرؤى مصدر موثوق به من مصادر الدلالة على ثبوت الحدث والواقعة.
    والحق في ذلك أن مضمون تلك الرؤى من جهة إسقاطه على أحداث آخر الزمان، لا يمكن القول بقبوله على إطلاق، ولا القول برفضه على إطلاق، بل يحكم ذلك ثلاثة ضوابط شرعية أساسية:
    الضابط الأول: أن يكون تفسير تلك الرؤى من قبل عالم شرعي، موثوق بدينه وعلمه.
    وذلك لأن تفسير الرؤى فتوى شرعية، ولا شك في أن الفتوى الشرعية لا تصدر إلا من أهلها، وهم العلماء الشرعيون المعروفون برسوخ العلم وصلاح الحال.
    الضابط الثاني: أن يكون العالم الشرعي المفسر للرؤية ممن اشتهر بقدرته على تأويل الرؤى، إذ ليس كل عالم شرعي قادرا على تأويل الرؤى، بل إن تلك القدرة منحة ربانية يمتن الله تبارك وتعالى بها على من شاء من عباده، ولذلك فإن من اشتهر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بتأويل الرؤى معدودون على الأصابع، فهم قلة لا كثرة.
    الضابط الثالث: أن يكون تفسير الرؤية مطابقا لمضمون المنقول عن رسول الله  ، بحيث لا يصادمه ولا يناقضه، فإن كان التفسير مصادما مناقضا لمضمون المنقول عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام لم يعتد به، وذلك لأن العالم الشرعي المفسر للرؤية لا ينطلق من الإحاطة بعلم الغيب، وإنما غاية ما لديه أنه مجتهد، والمجتهد كما أنه عرضة للصواب فهو كذلك عرضة للخطأ.
    وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يكون الاجتهاد البشري مصادما لخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
    فلابد إذا من وجود المطابقة بين مضمون الرؤية ومضمون الحديث، فإذا حصل هذا التطابق فلا مانع حينئذ من الاعتداد بتلك الرؤية، لا على سبيل الاستقلال، بل على سبيل التبعية؛ لأن الاعتداد في الأصل بالحديث المنقول عن النبي  لا بمجرد تلك الرؤية، وإنما الرؤية هنا أفادت التأكيد لمضمون الحديث، والعبرة كما ثبت في علم الأصول بالمؤسس لا بالمؤكد.

    المبحث الرابع عشر
    متى يجب على المسلم اعتزال الناس في الفتنة؟
    الأصل في المسلم أن يخالط الناس، داعيا لهم إلى الخير، ومحذرا لهم من الوقوع في أسباب الشر، وأن يصبر في سبيل تحقيق هذه الرسالة النبيلة على ما يلقاه منهم من إيذاء واعتداء، فإن ذلك من عزم الأمور، كما قال المولى تبارك وتعالى عن الرجل الصالح لقمان رحمه الله تعالى وهو يعظ ابنه في الصبر على ما سيصيبه في سبيل القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17].
    ومما يدل على أن الأصل في المسلم هو مخالطة الناس والصبر على إيذائهم ما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي  قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم»( ).
    ولا ينبغي للمسلم ـ بناء على هذا الحديث الشريف ـ أن يعتزل محيط الناس وهو يعتقد، أو يغلب على ظنه أن ثمة وسيلة نافعة لإصلاحهم، بوسعه وإمكانه أن يقوم بها في دنيا وجودهم وفي واقع حياتهم، فإن اعتزلهم وهو يملك القدرة على تلك الوسيلة الإصلاحية فقد فوت على نفسه أجرا عظيما.
    أما إذا ضربت الفتنة أطنابها في الأرض، واستعصت على الحل، ولم يبق للمسلمين جماعة ولا إمام، وليس أمام المسلم من خيار البتة: إما البقاء في محيط الناس مع تضييع دينه، وإما الفرار من محيطهم للمحافظة على الدين وسلامة العقيدة، فإن الاعتزال حينئذ واجب؛ لأن المحافظة على الدين واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    ومما يدل على وجوب الاعتزال في هذه الحال ما ثبت في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله  عن الخير، وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت: وما دخلنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هدي تعرف منه وتنكر»، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»( ).
    وما ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله  : «أنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه»( ).
    وما ثبت في سنن ابن ماجه رحمه الله تعالى من حديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أن النبي  قال: «كيف بكم وبزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت( ) عهودهم وأماناتهم، فاختلفوا وكانوا هكذا» وشبك بين أصابعه، قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: «تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتذرون أمر عوامكم»( ).

    المبحث الخامس عشر
    أسباب الوقاية من الفتن
    للوقاية من الفتن أسباب كثيرة، ولعل من أهمها ما يأتي:
    1- طاعة الله تبارك وتعالى، وطاعة رسوله  في جميع شئون الحياة ظاهرها وباطنها، وفي ذلك يقول المولى جل شأنه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة: 92].
    أي: احذروا من المخالفة لله عز وجل، ولرسوله  ، فإن عاقبة تلك المخالفة الوقوع في الفتنة، كما قال سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63].
    وإذا كان المخالف لله تبارك وتعالى، ولرسوله  معرضا للفتنة، فإن المستقيم على طاعة الله عز وجل، وعلى طاعة رسوله  في مأمن من التعرض لأية فتنة.
    ومن الطاعة لله جل شأنه التمسك بكتابه الكريم، فهو أمان من كل فتنة، كما أخبرنا الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: أما إني سمعت رسول الله  يقول: «ستكون فتن»، قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، كتاب الله»( ).
    ومن الطاعة للرسول  التمسك بسنته، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»( ).
    فالابتعاد عن التمسك بسنته عليه الصلاة والسلام ارتماء في البدع والضلالات، ولا شك أن البدعة والضلالة كلا منهما قا


    _________________
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    [img]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 24, 2017 5:28 am