منتديات أنا مسلمة لكل المسلمين والمسلمات


    فضل الزراعة والعمل في الأرض

    شاطر
    avatar
    amal
    مدير عام
    مدير عام

    عدد المساهمات : 584
    نقاط : 3152
    تاريخ التسجيل : 09/04/2009
    العمر : 37
    الموقع : http://tita.yoo7.com

    فضل الزراعة والعمل في الأرض

    مُساهمة  amal في السبت يونيو 26, 2010 5:31 am

    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٥
    بسم الله الرحمن الرحيم
    المقدمة
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
    أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
    فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
    أن محمدا عبده ورسوله.
    أما بعد/ فهذه رسالة في فضل الزراعة، وأهمية العناية ﺑﻬا في
    الإسلام. أسأل الله تعالى أن ينفع ﺑﻬا وأن يجعلها خالصة لوجهه.
    ٦ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    فضل العمل والحث عليه:
    أمر الإسلام بالعمل الشريف الذي يكفل للإنسان معيشته،
    ويحفظ له كرامته ومروءته ويصون ماء وجهه من أن يراق، وجعل
    طلب الحلال فريضة، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي
    .(١)« طلب الحلال واجب على كل مسلم » : قال 
     وعن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
    لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها »
    فيكف الله ﺑﻬا وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو
    .(٢)« منعوه
    وفي العمل تفضل على الناس بدلا من الحاجة إليهم واستغناء
    عن فضول أموالهم، وبذلك يكرم المرء نفسه أن ﺗﻬون على غيره،
    فإن من عادة الناس أن يستخفوا بمن يحتاج إليهم، ويستهينوا بمن
    .( يتواكل عليهم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله( ٣
    أرى الناس من داناهم هان عندهم
    ٥٤٦ ): إسناده حسن / ١) أخرجه الطبراني في الأوسط، وقال المنذري في الترغيب ( ٢ )
    إن شاء الله.
    ١٦٧ ) وابن ماجة (الزكاة / ٣٣٥ )، وأحمد ( ١ / ٢) أخرجه البخاري (الزكاة ٣ )
    .(٥٨٨/١
    (٧٢٩/ ٣٣٥ )، ومسلم (الزكاة ٢ / ٣) جزء من حديث أخرجه البخاري (الزكاة ٣ )
    من حديث أبي سعيد الخدري.
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٧
    .( ومن أكرمته عزة النفس أكرما( ١
    قال العباس بن عبيد:
    الناس ما استغنيت كنت أخالهم
    .( وإذا افتقرت إليهم فضحوكا( ٢
    وعن أيوب السختياني:
    قال: الزم سوقك فإنك لا تزال كريما على إخوانك ما لم تحتج
    إليهم( ٣). وعن أبي قلاية: إن أعظم العافية الغني عن الناس( ٤)، وقال
    .( الإمام أحمد: ما أحسن الاستغناء عن الناس( ٥
    وبالعمل يستطيع المرء أن يدرك كثيرا من وجوه الخير التي لا
    يستطيع إدراكها إلا من سعة كصلة الرحم وقري الضيف، والقيام
    بالمشروعات الخيرية، والصدقات الجارية، ومساعدة المحتاجين من
    الفقراء والمساكين، أو المشاركة في كل ما هو عظيم الأثر ، كبير
    النفع للأمة.
    ١) البيت للقاضي عبد العزيز الجرجاني من قصيدة مشهورة. )
    .( ٢) أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ( ٨٧ )
    .(١١/ ٣) روضة العقلاء ( ٢٢٦ )، الحلية لأبي نعيم ( ٣ )
    ٢٨٦ )، وابن / ٤) أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ( ٢٢٦ ) وأبو نعيم في الحلية ( ٢ )
    ٣) أخرجه أبو بكر الخلال في كتاب الحث ) .(١٤/ عبد البر في جامع بيان العلم ( ٢
    على التجارة ( ٢٧ ) عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول
    فذكره، وانظر تعليقات محققه الفاضل فإﻧﻬا قيمة.
    ٥) أخرجه أبو بكر الخلال في كتاب الحث على التجارة ( ٢٧ ) عن الفضل بن زياد )
    قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول فذكره، وانظر تعليقات محققه الفاضل فإﻧﻬا
    قيمة.
    ٨ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    ولذا كان سعد بن عبادة -رضي الله عنه- يقول اللهم هب لي
    مجدا، لا مجد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل،
    .( ولا أصلح عليه( ١
    وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: لا خير فيمن لا يريد جمع
    .( المال من حله يكف به وجهه، ويصل به رحمه، ويعطي من حقه( ٢
    وقال أبو إسحاق السبيعي -رحمه الله-: كانوا يرون السَّعة عونا
    .( على الدين( ٣
    وعن شعيب بن حرب -رحمه الله-: لا تحقرن فلسا تطيع الله في
    كسبه، وليس الفلس يراد، إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري بقلا فلا
    .( يستقر في جوفك حتى يغفر لك( ٤
    إن من شأن البطالة والقعود عن العمل أن تزيد نسبة الجريمة في
    اﻟﻤﺠتمع، وتقضي على عنصري الطموح والتنافس الشريف اللذين هما
    دولاب الحياة والحركة.
    كما أن من شأﻧﻬا أن تساعد على إيجاد جيل هزيل، فاتر العزيمة،
    متخاذل متواكل يستمرئ الذل وﺗﻬون عليه نفسه.
    كما أن من شأﻧﻬا أيضا تولد لدى المرء شعورا بالحقد والضغينة
    .(٨٠/ ١) أخرجه الدارقطني في كتاب الأسخياء، انظر الاصابة ( ٣ )
    ١٠٧٢ ) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو / ٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٢ )
    ضعيف.
    ٣) المصدر نفسه. )
    .( ٤) أخرجه الخلال في الحث على التجارة والصناعة والعمل ( ٥٤ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٩
    على الآخرين وإساءة الظن بالأقارب والأصدقاء، والإكثار من
    الشكوى والتلوم عليهم.
    إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه
    شكا الفقر أو لام الصديق فاكثرا
    وصار على الأدنين كلا وأوشكت
    .( صلات ذوي القربى له أن تنكرا( ١
    امتنان الله تعالى على عباده بتهيئتهم للعمل:-
    امتن الله تعالى على عباده بجعله النهار لهم معاشا، ومسرح ا
    وَمِنْ آَيَاتِهِ  (٢) وَجَعَْلنَا النَّهَارَ مَعَاشً ا  يبتغون فيه من فضله
    ٣)، وامتن عليهم ) مَنَامُ ُ كمْ ِباللَّيْ ِ ل وَالنَّهَا ِ ر وَابْتِغَاؤُ ُ كمْ مِنْ َفضْلِهِ
    وََلَقدْ  بجعله الأرض ميدانا لهذا الكسب والمعاش قال تعالى
    ٤) وقال تعالى ) مَكَّنَّا ُ كمْ فِي الَْأرْ ِ ض وَجَعَْلنَا َل ُ كمْ فِيهَا مَعَاِيشَ
    وَالَْأرْضَ مَدَدْنَاهَا وََأْلَقيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وََأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ 
    (٥) مَوْزُونٍ * وَجَعَْلنَا َل ُ كمْ فِيهَا مَعَاِيشَ وَمَنْ َلسْتُمْ َلهُ ِبرَاِ زقِينَ
    هُوَ الَّذِي جَعَ َ ل َلكُمُ الَْأرْضَ َ ذُلوًلا َفامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا  وقال تعالى
    . ١) البيتان للنابغة الجندي انظر ديوانه ص ٧٣ )
    . ٢) سورة النبأ، الآية ١١ )
    . ٣) سورة الروم ٢٣ )
    . ٤) سورة الأعراف، من الآية ١٠ )
    .٢٠- ٥) سورة الحجر، الآية ١٩ )
    ١٠ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    .(١) وَكُلُوا مِنْ ِ رزْقِهِ وَِإَليْهِ النُّشُورُ
    فأشار سبحانه ﺑﻬذا إلى بعض نعمه على عباده بجعله الأرض
    مذللة طيعة لهم، لا في غاية الصلابة ولا في غاية الليونة، مهيأة
    للسير عليها بالأقدام وعلى الركاب، مهيأة للزرع والاستنبات ،
    مذللة للآلة التي صنعها الإنسان تستخرج كنوزها وتحفر آبارها،
    وأﻧﻬارها، وتحطم صخورها وتُعَبِّد طرقاﺗﻬا، وتقيم السدود والأبراج
    عليها.
    وإلى جانب ذلك فإنه تعالى يأمر عباده بالمشي في مناكب
    الأرض لاستخراج خيراﺗﻬا وجني ثمراﺗﻬا والتمتع برزق الله المودع في
    طياﺗﻬا، لكنه يذكر بالمصير إليه والوقوف بين يديه؛ من أجل أن
    يحسن الإنسان العمل، ولا يحمله الكسب على الغفلة والبطر.
    قال :  رُوي عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي
    .(٢)« التمسوا الرزق في خبايا الأرض »
    قال المناوي في فيض القدير: أي التمسوه في الحرث لنحو زرع
    .( وغرس( ٣
    احترام الإسلام للعمل:
    ومن احترام الإسلام للعمل أن الله تعالى أمر بتخفيف الصلاة،
    . ١) سورة الملك الآية ١٥ )
    ٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه النسائي والبيهقي )
    .(٥٤٢/ وابن طاهر، فيض القدير ( ١
    .(٥٤٢/ ٣) المناوي، فيض القدير ( ١ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ١١
    وهي قيام بين يديه تعالى ومناجاة له، وذلك حتى لا يشق على
    المرضى، وبعض العملة الضاربين في الأرض المسافرين في جهاﺗﻬا
    يتاجرون ويبتغون من فضل الله، وجعل ذلك عذرا يدعو إلى
    عَلِمَ َأ ْ ن سَيَ ُ كونُ مِنْ ُ كمْ  التخفيف كشأن القتال في سبيل الله
    مَرْضَى وَآَخَرُو َ ن يَضْرِبُو َ ن فِي الَْأرْ ِ ض يَبْتَغُو َ ن مِنْ َفضْ ِ ل اللَّهِ
    ١) قال ) وَآَخَرُو َ ن يَُقاتُِلو َ ن فِي سَِبي ِ ل اللَّهِ َفاْقرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ هُ
    الآلوسي في تفسيره: "في قرن المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى
    باﻟﻤﺠاهدين إشارة إلى أﻧﻬم مثلهم في الأجر" فأخرج سعيد بن
    منصور، والبيهقي في الشعب، وغيرهما عن عمر -رضي الله عنه -
    قال: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب
    إ ّ لي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل التمس من فضل الله تعالى
    .( وتلا هذه الآية( ٢
    على بعض الأئمة إطالتهم الصلاة إذا  وقد أنكر الرسول
    كان يعرف من حال المصلين أن منهم مرضى، أو عمالا ومزارعين،
    وأصحاب نواضح ومهن، لا يستطيعون الغياب عنها طويلا.
    عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: أقبل رجل
    بناضحين، وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحيه وأقبل
    إلى معاذ، فقرأ معاذ سورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل بعد أن
    قطع الائتمام بمعاذ، وأتم صلاته منفردا، فبلغ ذلك معاذا، فقال إنه
    . ١) سورة المزمل، الآية ٢٠ )
    .(١٤٢/ ٢) الآلوسي، روح المعاني ( ١٠ )
    ١٢ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    أفتان يا معاذ، أو » : فشكا معاذا فقال النبي  منافق فأتى النبي
    .( الحديث( ١ «... أفاتن أنت ثلاث مرات
    ومن احترام الإسلام للعمل أنه فضله مهما كان حقيرا أو دنيئا
    على مسألة الناس، لأﻧﻬا أدنى الدناءات.
    نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض السلف قوله: "كسب
    .( فيه دناءة خير من مسألة الناس"( ٢
    والمقصود بالناس هنا جميع الناس الأقارب منهم، والأباعد، حتى
    السلطان.
    قال أحمد -رحمه الله- "أخذ الأجرة على التعليم خير من جوائز
    .( السلطان وجوائز السلطان خير من صلات الإخوان"( ٣
    وعلى ذلك فإن السؤال لا يباح إلا في حالة الضرورة القصوى
    من العوز، أما لو أمكنه العمل في أي نوع من أنواع العمل
    المشروع، حتى ولو كان فيه شيء من الدناءة، وحط النفس، فإنه لا
    يجوز له التعرض للسؤال أو مد الأيدي للناس، ولو كان السؤال
    بأساليب متعددة كالمدح والتعريض وغير ذلك.
    الإسلام والفراغ:
    كره الإسلام للمسلم أن يعتاد القعود غير المثمر بحيث تتسع
    .( ١) أخرجه البخاري (الأدب ١٠٥١٥ )
    .(١٩٢/ ٢) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ( ٣٠ )
    .(١٩٢/ ٣) مجموع الفتاوى، ( ٣٠ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ١٣
    مساحة الفراغ في حياته ويضيع وقته فيما لا يعود عليه بخير في
    معاشه ولا معاده، فإن هذا هو الغبن والخسارة بعينها حتى ولو كان
    الإنسان ذا ثروة كبيرة، وكفاية في الدنيا.
    نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : » : قال رسول الله
    أصحابه عن إضاعة الوقت  ١) وﻧﻬى الرسول )« الصحة والفراغ
    في الجلسات في الطرقات تلك التي اعتاد الناس أن يجلسوها، ولما
    اعتذروا إليه بأﻧﻬم لا يستغنون عن مثل هذه اﻟﻤﺠالس وجههم إلى
    ضرورة شغل الوقت في عمل الخير فلا يصح أن تكون هذه اﻟﻤﺠالس
    خالية عن فائدة وجعل للطريق حقا على المسلم ينبغي أن يؤدي ه،
    وحرمة لابد أن يرعاها( ٢) وعندما تتسع مساحة الفراغ في حياة
    الإنسان، فإنه سيجنح إلى السوء واللغو واللهو ولذا فقد عمرت
    المقاهي، والمنتزهات، والمنتديات، واﻟﻤﺠالس في عصرنا هذا بالكلام
    الفاحش، أو النظرة الماكرة، أو اللعبة المحرمة، وخلت من معاني الخير
    والفضيلة إلا في مجال ضيق محدود.
    من تعلم مهنة فلا يتركها:
    وكره الإسلام أيضا للمسلم أن يتعلم مهنة، أو صنعة أو عملا
    نافعا ثم يتركه دون حاجة، وخاصة إذا كانت هذه المهنة مما يعم
    ٢٢٩ ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، / ١) أخرجه البخاري (الرقاق ١١ )
    .( الغبن: النقص وضعف الرأي (مختار الصحاح ٤٦٨
    ١١٢ ) من حديث أبي سعيد الخدري. / ٢) أخرجه البخاري ما يفيد ذلك ( ٥ )
    ١٤ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    نفعها المسلمين وتتعلق ﺑﻬا بعض مصالحهم، أو لها دور مؤثر في
    الاقتصاد أو تنمية اﻟﻤﺠتمع الإسلامي، أو في الدفاع عنه.
    إن إحالة الإنسان على المعاش أو التقاعد ليس معناها أن يقطع
    صلته بالعمل، وما يتعلق بتخصصه فيخلد إلى الخمول والكسل، بل
    إن الفرصة تصبح متاحة أمامه بشكل أوسع للإبداع والإنتاج،
    من علم الرمي ثم تركه » : والاستفادة من الوقت قال رسول الله
    .(١)« فليس منا، أو قد عصى
    فتعلم الرمي أو غيره من وسائل الفروسية والقوة، أو الأعمال
    النافعة نعمة من نعم الله تعالى على العبد، وكفر هذه النعمة إهمالها
    وتركها.
    وقد امتن تعالى على نبيه داود -عليه السلام- بأن علمه صنعة
    وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعََة  الدروع وأمره وقومه بالقيام بحقها من الشكر
    .(٢) َلبُو ٍ س َل ُ كمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَْأسِ ُ كمْ َفهَلْ َأنْتُمْ شَاكِرُو َ ن
    رعاية شؤون الأسرة:-
    وأوجب الإسلام على المسلم رعاية شؤون أهله وأسرته ولم
    يبح له أن يفرط في حقوقهم الدنيوية والأخروية، ومن حقوقهم
    الدنيوية أن يؤمن لهم قدرا كافيا من التعليم ومن القوت حتى تتسنى
    لهم الحياة الكريمة التي يترفعون ﺑﻬا عن الحاجة للناس، وهذا يتطلب
    منه العمل والجد ليوفر لهم ما يعيشون به كرماء أعزاء، دون إهمال
    ١٥٢٣ ) من حديث عقبة بن عامر. / ١) أخرجه مسلم (الامارة ٣ )
    . ٢) الأنبياء، الآية ٢١ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ١٥
    كفى بالمرء إثما أن يحبس » : لحقوقهم الأخروية، قال رسول الله
    .(١)« عمن عليه قوته
    إنك أن تذر » - وقال لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه
    .(٢)« ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس
    أي المكاسب أفضل:
    اختلف العلماء أي المكاسب أفضل، مع اتفاقهم على أن العمل
    كله فاضل إذا كان مشروعا. فمنهم من ذهب إلى أن أفضل
    المكاسب الزراعة، ومنهم من رأى أن أفضلها كسب اليد أي
    الصناعة، وذهب آخرون إلى تفضيل التجارة على غيرها، وفريق
    آخر رأى أن أفضل المكاسب على الإطلاق ما يكتسب من أموال
    الكفار المحاربين عن طريق الجهاد في سبيل الله.
    قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة،
    والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة وقال: والأرجح عندي
    أن أطيبها الزراعة لأﻧﻬا أقرب إلى التوكل قال النووي: والصواب أن
    أطيب الكسب ما كان بعمل اليد فإن كان زراعة فهو أطيب
    الكسب لما يشمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل،
    ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب، ولأنه لابد فيه في العادة أن
    .( يؤكل منه بغير عوض( ٣
    .(٦٩٢/ ١) أخرجه مسلم (الزكاة ٢ )
    .(١٢٥١/ ١٦٤ )، ومسلم (الوصية ٣ / ٢) أخرجه البخاري (الجنائز ٣ )
    .(٣٠٤/ ٢١٣ )، ابن حجر، فتح الباري ( ٤ / ٣) النووي شرح صحيح مسلم ( ١٠ )
    ١٦ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    وقال ابن حجر: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من
    وأصحابه، وهو أشرف  أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي
    المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخذلان كلمة أعدائه
    والنفع الأخروي.
    قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل، ثم قال: والحق
    أن ذلك مختلف المراتب وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص،
    .( والعلم عند الله تعالى( ١
    وقال العيني: ينبغي أن تختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة
    الناس فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة
    .( أفضل للتوسعة على الناس( ٢
    وباستعراض هذه الأقوال وغيرها يتبين لنا فضل العمل،
    وكسب اليد، ولا ريب أن الأعمال والمهن المشروعة كلها فاضلة
    وإن كان بعضها أفضل من بعض، وأفضلها أعظمها نفعا للأمة
    وأعمها خيرا وفائدة لها، وأكثرها سدا لحاجاﺗﻬا.
    وتظهر لنا من خلال ذلك نظرة العلماء الواعية في مجال بناء
    اﻟﻤﺠتمع الإسلامي وتكافله على أساس الاستفادة من جميع الطاقات،
    وتوزيع المهن والكفاءات. توزيعا شاملا يغطي جميع احتياجات
    الأمة، وهذا ما تسعى لتحقيقه الدول الناهضة حتى تحقق كفايتها
    وتميزها لا في مجال الإنتاج الغذائي فحسب، بل في مجال الصناعة
    .(٣٠٤/ ١) ابن حجر، فتح الباري ( ٤ )
    .(١٥٥/ ٢) بدر الدين العيني، عمدة القاري ( ١٢ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ١٧
    والتجارة، والصناعات الحربية، واستخراج المواد الخام، وغير ذلك
    ولن تنال دولة استقلالها أو تحافظ على مقومات شخصيتها إذا
    كانت لا تستطيع الاستغناء عن غيرها من الدول في مواردها
    ومقوماﺗﻬا المختلفة.
    والأمة الإسلامية تملك -بحمد الله- من أسباب التكافل
    والتضامن ما يؤهلها للاكتفاء الذاتي في شؤون حياﺗﻬا كافة.
    فلدى المسلمين ملايين الهكتارات من الأراضي المزروعة
    والأراضي الصالحة للزراعة والغابات والمراعي، والصحاري الغنية
    بالمواد الخام، والمناجم، والبترول، والمعادن، وتملك من الثروة
    الحيوانية ما لا يكاد يحصى من حيوان أليف وغير أليف، ولا تحتاج
    إلى غيرها في السواعد والأيدي العاملة.
    فمن غير السائغ بحال أن تكون أمة عدد سكاﻧﻬا نحو ألف
    مليون، وتملك مثل هذه الثروات عاجزة عن تأمين حاجاﺗﻬا
    وكفايتها في شتى اﻟﻤﺠالات.
    فضل الشجرة والزراعة:
    جاءت كلمة شجرة في القرآن الكريم مفردة في نحو تسعة عشر
    موضوعا ومجموعة في نحو ستة مواضيع، أما كلمة زرع ومشتقاﺗﻬا
    وردت في نحو ثلاثة عشر موضعا. أما في الأحاديث النبوية فورد
    ذلك مواضع كثيرة.
    ومن اهتمام الإسلام بالشجرة، ولفت الأنظار للعناية ﺑﻬا أنه
    حتى في الجزاء على الأعمال الصالحة يوم القيامة قد ذكر الشجرة
    ١٨ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    على أنه مثوبة مكافئة لبعض الأعمال الخيرية من المؤمن وذلك لما في
    الشجرة من النفع والجمال، واكتمال النعمة، ففي الحديث عن
    : جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله
    من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة وفي »
    .(١)«" رواية "شجرة
    : وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
    ليلة أسريّ بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني  لقيت إبراهيم »
    ( السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأﻧﻬا قيعان( ٢
    وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله
    .(٣)« أكبر
    وبلغ اهتمام الإسلام بالشجرة حدا لا يعرف له مثيل في شريعة
    سابقة، ولا في قانون وضعي وحسبنا أن نعلم أن الخلفاء وهم أعلى
    سلطة في الدولة الإسلامية، كانوا يوصون أمراء الأجناد والجيوش
    عندما يبعثوﻧﻬم للقتال بالمحافظة على الشجرة وخاصة الشجرة
    المثمرة، مثلما يأمروﻧﻬم بالمحافظة على أرواح الأبرياء ممن لا علم لهم
    لا تعقرن نخلا ولا تحرقنها ولا تعقروا » بالحرب ولم يشاركوا فيها
    البهيمة، ولا شجرة ثمر، ولا ﺗﻬدموا بيعة، ولا تقتلوا الولدان ولا
    ٥١١ ) وقال: حسن صحيح / ٤٤٠ ) والترمذي (الدعوات ٥ / ١) أخرجه أحمد ( ٣ )
    ١٢٥١ ) بنحوه من حديث أبي هريرة، قال في الزوائد / غريب، وابن ماجة (الأدب ٢
    ٢٦٣ ) إسناده حسن. /٢)
    ٢) قيعان: جمع قاع وهو المكان الواسع المستوي من الأرض. )
    .(٥١٠/ ٣) أخرجه الترمذي (الدعوات ٥ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ١٩
    .(١)« الشيوخ ولا النساء
    ومن المعلوم أن الوصية في مثل هذا الموطن إنما تكون بالأمور
    الهامة التي تعتبر من مواد الدستور العام، وبالأمور التي تحقق عوامل
    النصر على أعداء الله.
    فهل عرف من قبل هذا التحييد للشجرة، والحيوان الأعجم مما
    يملكه العدو، وإبعادهما عن ميدان المعركة لكوﻧﻬما عنصري خير
    ونفع للبشر؟!
    ولم يأذن الإسلام بقطع الأشجار المثمرة إلا في حدود ضيقة
    أشبه ما تكون بالضرورة التي يلجأ إليها للضغط على العدو المعاند
    المصر على القتال، حتى أن بعض الفقهاء منع ذلك مطلقا، وحمل ما
    ورد في ذلك على حالة خاصة لا تتعداها.
    قال الحافظ ابن حجر:قوله –أي البخاري- (باب قطع الشجر
    والنخل) أي للحاجة والمصلحة إذا تعينت طريقا في نكاية العدو
    ونحو ذلك، وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا لا يجوز قطع
    الشجر المثمر أصلا، وحملوا ما ورد من ذلك: إما على غير المثمر
    ٨٥ ) في / ١٩٩ )، والبيهقي ( ٩ / ٤٤٨ ) وعبد الرزاق ( ٥ / ١) أخرجه مالك (الجهاد/ ٢ )
    وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه للأمراء حين بعثهم نحو الشام.
    لا تقتلن امرأة، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن » : ولفظه عند مالك: إني موصيك بعشر
    شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلا،
    ٢٠١ ) عن طاوس قال: "ﻧﻬى / أخرج عبدالرزاق ( ٥ « ولا تعقرنه، ولا تغلل ولا تجبن
    عن عقر الشجر فإنه عصمة للدواب في الجدب" وهذا حديث مرسل يتأيد بما  النبي
    سبق من قول الصديق وفعل الأصحاب رضي الله عنهم.
    ٢٠ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    وإما على الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع
    الذي يقع منه القتال وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور( ١). ومن
    ﻧﻬى عن قضاء الحاجة  محافظة الإسلام على الشجرة أن الرسول
    والتخلي في ظل الشجرة التي ينتفع بظلها.
    اتقوا » : قال  عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله
    اللعانين قالوا: وما اللعانان يا رسول الله قال: الذي يتخلى في
    .(٢)« طريق الناس أو في ظلهم
    ويقاس على قضاء الحاجة رمي القمامات والأوساخ، والمياه
    النجسة والمتقذرة وغير ذلك مما يحول بين الناس وبين الانقطاع من
    الظل.
    وقد دعا الإسلام إلى تكثير الشجر لما فيه من المنافع المتعددة،
    إن قامت » : قال  عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي
    الساعة في يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها
    .(٣)« فليغرسها
    هذا الحديث حث على غرس الأشجار المثمرة عامة وإن كان
    المذكور فيه النخل.
    كما أنه يشير إلى ضرورة العناية بالزراعة والعمل في الأرض،
    .(٩/ ١) ابن حجر، فتح الباري ٠٥ )
    .(٢٨/ ٢٢٦ ) وأبو داود (الطهارة ١ / ٢) أخرجه مسلم (الطهارة ١ )
    ١٨٣ ) والبخاري في الأدب المفرد ص ٩٧ وانظر سلسلة / ٣) أخرجه أحمد ( ٣ )
    .(١٣-١١/ الأحاديث الصحيحة ( ١
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٢١
    وأنه لا ينبغي أن ينقطع العمل في إعمار الأرض، والاستفادة من
    خيراﺗﻬا.
    قال الأستاذ محمد قطب تعليقا على الحديث : والعمل في
    الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة بسب اليأس من النتيجة فحتى حين
    تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كله ا.. حتى
    عندئذ لا يكف الناس عن العمل، وعن التطلع إلى المستقبل، ومن
    .( كان في يده فسيلة فليغرسها( ١
    وروى البخاري في كتابه الأدب المفرد عن داود بن أبي داود
    الأنصاري قال: قال لي عبد الله بن سلام: إن سمعت بالدجال قد
    خرج وأنت على ودية –أي فسيلة- تغرسها فلا تعجل أن تصلحه،
    .( فإن للناس بعد ذلك عيشا( ٢
    وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب
    يقول لأبي: أعزم عليك أن تغرس أرضك فقال أبي: أنا شيخ كبير
    أموت غدا. فقال عمر أعزم عليك لتغرسها، فلقد رأيت عمر بن
    .( الخطاب يغرسها بيده مع أبي( ٣
    ولعل مما يشير إلى استحباب تكثير الشجر ما جاء في الحديث
    أذن له أن يشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من  أن الرسول
    .( ص ٢٣ )  ١) محمد قطب، قبسات من الرسول )
    . ٢) الأدب المفرد ص ٩٧ )
    .(١٠/ ٣) انظر السلسلة الصحيحة ٠١ )
    ٢٢ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    .( شجر( ١
    إلى ضرورة المحافظة على الأشجار  وقد نبه الرسول
    والبساتين من قبل أهلها، ومن قبل أصحاب الماشية ليلا وﻧﻬارا.
    عن حرام بن سعد بن محيصة الأنصاري، عن أبيه عن البراء بن
    عازب أنه كانت له ناقة ضارية قد خلت حائطا فأفسدت فيه ،
    فيها فقضى بأن حفظ الحوائط بالنهار على  َف ُ كلم رسول الله
    .( أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها( ٢
    قال الخطابي -رحمه الله-: "يشبه أن يكون إنما فرق بين الليل
    والنهار في هذا لأن العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظوﻧﻬا
    بالنهار، ويوكلون ﺑﻬا الحفاظ والنواطير ومن عادة أصحاب المواشي
    أن يسرحوها بالنهار ويردوها مع الليل، فمن خالف هذه العادة
    .( كان ﺑﻬا خارجا عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع"( ٣
    ومن فضل الزراعة والعمل في الأرض الاشتغال عن الناس،
    والتنزه عن عيوﺑﻬم والبعد عن قيلهم وقالهم، خاصة إذا كان الإنسان
    ممن لا يملك القدرة على الإصلاح والإنكار. قال الشوكاني -رحمه
    الله- في تفسيره: "إن الاشتغال بالعمل فيها –أي الأرض-
    والاستغناء عن الناس بما يحصل فيها من القرب العظيمة مع ما في
    يقول: إني لأرجو  ٣٤٧ ) من حديث بريدة قال: سمعت رسول الله / ١) المسند ( ٥ )
    أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة.
    ٨٣٠ ) من طريقين مرفوعا وأخرجه - ٨٢٩/ ٢) أخرجه أبو داود في السنن (البيوع ٣ )
    ٧٤٧ ) مرسلا. / مالك في الموطأ (الأقضية ٢
    .(٨٢٩/ ٣) الخطابي، معالم السنن، ( ٣ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٢٣
    ذلك من الاشتغال عن الناس والتنزه عن مخالطتهم التي هي لاسيما
    في مثل هذا الزمان سم قاتل، وشغل عن الله شاغل وذلك إذا لم
    يكن في الإقبال على الزراعة تثبط عن شيء من الأمور الواجبة
    ."( كالجهاد( ١
    ومن فضل الزراعة أن الأجر يحصل للغارس والزارع، وإن لم
    يقصدا ذلك حتى لو غرس وباعه، أو زرع وباع ذلك الزرع كان
    له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواﺗﻬم كما روى في حصول
    .( الأجر للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والربح( ٢
    وقد ذكر غير واحد من العلماء أن الأجر للمزارع بما يولد من
    الغراس والزرع كذلك أجره مستمر ما دام الغرس والزرع وما تولد
    .( منه إلى يوم القيامة، وحتى لو انتقل ملكه إلى غيره( ٣
    ووردت أحاديث كثيرة تبين فضل الغرس والزرع، وتثبت
    الأجر لفاعله ما انتفع بذلك منتفع من إنسان أو حيوان أو طير، أو
    حشرة، ومن ذلك.
    ما من » : قال  حديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي
    مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو ﺑﻬيمة إلا
    .(٤)« كان له به صدقة
    ( ١) الشوكاني، فتح القدير ( ٥٣١٣ )
    ٢) حديث الجالب أخرجه ابن ماجة والدارمي وغيرهما من حديث عمر رضي الله عنه )
    وفي إسناده على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
    .(١٥٦/ ٢١٣ )، عمدة القارئ ( ١٢ / ٣) انظر شرح مسلم للنووي ( ١٠ )
    ١١٨٩ ). الأجر / ٣) مسلم (المساقاة ٣ / ٤) أخرجه البخاري (الحرث والزراعة ٥ )
    ٢٤ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    قال:  وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي
    ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من قدر ما يخرج من »
    .(١)« ثمر ذلك الغرس
    قال: سمعت رسول الله  وعن رجل من أصحاب رسول الله
    من نصب شجرة فصبر على حفظها » : بأذ ّ ني هاتين يقول 
    والقيام عليها حتى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها
    .(٢)« صدقة عن الله -عز وجل
    والأجر في الغرس والزرع لا ينحصر في زراعة المثمر وغير
    المثمر وذلك لحصول الانتفاع للحيوان، والطير، والدواب، بل
    لحصول النفع للإنسان من جهة أخرى غير الأكل، فيقاس على
    الأكل ما ينتفع من الأشجار والمزروعات من تنزه، وتجميل للبيئة،
    أو تمتع بريتها، واستظلال بظلها، أو ما تحققه من منافع أخرى
    كثيرة كتطييب للمناخ، وحفظ للتربة، وصد للغبار والأتربة وتنقية
    للهواء من التلوث، وكذلك ما يستفاد منها في أغراض الصناعة
    كصناعة الورق، والثقاب، وصناعة الأخشاب المختلفة المتعددة
    الأغراض.
    ٣٧٦ ) رواته محتج ﺑﻬم في / ٤١ ) قال المنذري في الترغيب ( ٣ / ١) أخرجه أحمد ( ٥ )
    ٦٧ ) فيه / الصحيح إلا عبد الله بن عبد العزيز الليثي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( ٣
    عبد الله بن العزيز وثقه مالك وسعيد بن منصور وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال
    الصحيح.
    ٣٧٤ ) وإسناده فيه فنج عن عبد الله بن وهب بن منبه، /٥) ،(٦١/ ٢) أخرجه أحمد ( ٤ )
    ٦٨ ): فنج ذكره ابن أبي حاتم ولم يوثقه ولم / عن أبيه قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٣
    يجرحه وبقية رجاله ثقات.
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٢٥
    والزرع في هذه الأحاديث المتقدمة المراد به ما يستنبته الإنسان
    من مزروعات مختلفة مما يتغذى منه أو مما يتغذى عليه الحيوان
    والطير كالقمح والأرز، والذرة، والبقول، والخضروات، وكالشعير
    والبرسيم والحشائش المتنوعة.
    ويحصل الأجر للمزارع ولو كان الأكل منه على وجه الغصب
    أو الانتهاب أو السرقة أو الاعتداء، فضلا عن الإطعام.
    أنه دخل على أم مبشر  ويدل لذلك ما رواه جابر عن النبي
    الأنصارية –وهي زوج زيد بن حارثة- في نخل لها فقال لها النبي
    من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر فقالت: بل مسلم » :
    فقال: لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان
    ولا دابة، ولا شيء إلا كانت له صدقة.
    ما من مسلم يغرس غرسا إلا » : قال  وعنه أيضا عن النبي
    كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل
    السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه
    .( أحد إلا كان له صدقة( ١
    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال :
    لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا فيأكل »  قال رسول الله
    .( منه إنسان ولا طائر، ولا شيء إلا كان له أجر( ٢
    من » : قال  وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي
    .(١٨٨/ ١) أخرجهما مسلم (المساقاة ٣ )
    ٢٤٥ ) إسناده. / ٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، وحسن المنذري في الترغيب ( ٣ )
    ٢٦ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    غرس غرسا لم يأكل منه آدمي، ولا خلق من خلق الله إلا كان له
    .(١)« صدقة
    من زرع » : قال  وعن خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي
    .(٢)« زرعا فأكل منه طير أو عافية كان له صدقة
    عمه العباس بأمر بنيه  وعن عبد الله بن الزبير قال: أمر النبي
    .( أن يحرثوا القضب فإنه ينفي الفقر( ٣
    نحو  وعن السائب بن سويد -رضي الله عنه- عن النبي
    .( حديث أبي الدرداء المتقدم( ٤
    وجاء في بعض الروايات ما يفيد أن غرس الأشجار من
    الصدقات الجارية التي يصل أجرها للمسلم بعد موته.
    سبعة يجري » : قال  عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي
    ٦٨ ): رجاله موثقون وفيهم / ٤٤٤ ) والطبراني قال الهيثمي ( ٣ / ١) أخرجه أحمد ( ٦ )
    كلام لا يضر.
    ٣٧٦ ) وتبعه الهيثمي / ٥٥ ) والطبراني وحسن المنذري إسناده ( ٣ / ٢) أخرجه أحمد ( ٤ )
    ٦٧ ) وعزاه في (فضل الغراس) لابن خزيمة، وابن جرير، والضياء، وأبي نعيم (رفع /٣)
    ١٣٩ ) للحسن بن / الألباس في فضل الزرع والغراس ق ٣) وعزاه الحافظ في الإصابة ( ٢
    سفيان في مسنده وقال: إسناده حسن.
    ٦٨ ): فيه جماعة لم أعرفهم أ.ه والقضب: / ٣) أخرجه الطبراني قال الهيثمي ( ٣ )
    .( الرطبة (المختار ٥٣٩
    ٤) قال في رفع الألباس (ق ٤): أخرجه الطبراني، وابن أبي عاصم، والبغوي في معجم )
    Sad٦٨/ الصحابة وابن قانع وقال البغوي: لا أعلم للسائب حديثا غيره وقال الهيثمي ( ٣
    في إسناد الطبراني عبد الله بن موسى التيمي وهو ثقة لكنه كثير الخطأ وبقية رجاله
    .(٦٠/ ثقات أ.ه. وانظر الإصابة ( ٣
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٢٧
    للعبد أجرهن وهو في قبره وبعد موته: من علم علما أو كرى
    ﻧﻬرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا أو ورث
    .(١)« مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له
    من بنى بنيانا في »  وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله
    غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان
    .( له أجرا جاريا ما انتفع به من خلق الرحمن -تبارك وتعالى-( ٢
    حكم الزراعة:
    زراعة الأرض وإعمارها من فروض الكفاية التي يجب على
    المسلمين بجموعهم القيام ﺑﻬا، فإن أقامه بعضهم أصبح مندوبا أو
    مباحا في حق الآخرين.
    قال القرطبي -رحمه الله- في شرح الصحيح: الزراعة من
    فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وما كان
    .( في معناها من غرس الأشجار( ٣
    ومعنى كوﻧﻬا فرضا على الكفاية. أن الزراعة، وغرس الأشجار
    وإعمار الأرض، تبقى فريضة قائمة على الأمة الإسلامية ما لم
    تتحقق كفايتها، واستغناؤها عن غيرها إذا كان ذلك في مقدورها
    ووسعها، فإن لم تفعل تبقى مقصرة تاركة لهذه الفريضة ما دامت
    ١) أخرجه البزار وأبو نعمي والبيهقي في شعب الإيمان. )
    ٤٣٨ ) والطبراني من طريق زبان بن فائد قال الهيثمي: ضعفه أحمد / ٢) أخرجه أحمد ( ٣ )
    .(٧٠/ وغيره، ووثقه أبو حاتم (مجمع الزوائد ٣
    .(١٥٦/ ٤)، عمدة القارئ ( ١٢ / ٣) انظر فتح الباري ( ٥ )
    ٢٨ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    مستوردة "معتمدة على الغير في مواردها الزراعية والغذائية، وعلى
    الإمام في هذه الحالة أن يجبر على الزراعة والغرس والفلاحة من
    تتحقق بإجبارهم تلك الكفاية في اﻟﻤﺠالات المختلفة. قال شيخ
    الإسلام ابن تيمية: "من ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل
    حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية.. قال: فلهذا قال غير
    واحد من الفقهاء أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي
    حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم أن هذه الصناعات
    فرض على الكفاية فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا ﺑﻬا، كما أن الجهاد
    .(١)« فرض على الكفاية إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان
    وقال في موضع آخر: المقصود أن هذه الأعمال التي هي فرض
    على الكفاية متى لم يقم ﺑﻬا غير الإنسان صارت فرض عين عليه،
    لاسيما إن كان عاجزا عنها فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم
    أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ولي الأمر عليه
    إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، كما إذا احتاج الجنود المرصودون
    للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم،
    فإن الجند ملزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح
    للجند( ٢). قال ابن الحاج في المدخل: آكد ما على المكلف من
    .( الصنائع والحرف الزراعية التي ﺑﻬا قوام الحياة، وقوت النفوس( ٣
    إن من الخطأ القبيح ما يتصوره بعض الناس أن مهنة الزراعة من
    .( ١) ابن تيمية، السياسة الشرعية (ص ١٦ )
    .(٨٢ ،٨٠ ،٧٩/ ٢) الفتاوى ( ٢٨ )
    .(٤/ ٣) ابن الحاج، المدخل ( ٤ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٢٩
    المهن الدنيئة المنحطة التي لا تليق بالرجل الكريم، وهو تصور لا
    يقوم على أساس سليم فالعمل المباح كله شرف لصاحبه لا يُزرى
    به بل يكرمه ويعلي مكانته عند الله تعالى ثم في أعين الناس، فكيف
    والزراعة من أشرف الأعمال وأجلها، وقد قال عدد من العلماء إﻧﻬا
    أفضل المكاسب، وأﻧﻬا من فروض الكفاية على المسلمين، وفيها
    الأجر الجزيل للزارع والغارس ما انتفع بذلك منتفع من إنسان أو
    حيوان أو طير أو حشرة وقد تكون من الصدقة الجارية التي لا
    ينقطع أجرها بعد الموت.
    يعتبرون الرجل الذي يعمل في  وقد كان أصحاب النبي
    .( إصلاح أرضه عاملا من عمال الله تعالى( ١
    إن ذلك التصور الخاطئ يفسر لنا انصراف كثير من الناس إلى
    الوظائف الحكومية، والأعمال الكتابية، والإدارية وإهمال مساحات
    كبيرة من الأرض الصالحة للزراعة حتى أصبحت خربا يبابا ومنبتا
    للأشواك.
    ومن أجرى مقارنة عادلة بين الزراعة، وبين كثير من الوظائف
    الإدارية والكتابية، وجد الفرق بينهما واضحا، والفضل لها ظاهرا.
    فالزراعة أقرب إلى التوكل، وأدعى إلى التخشن، وقوة الجسم
    لما فيها من الحركة والنشاط، والمزارع أنقى جوا، وأصح جسما،
    وأبعد عن الضوضاء والتلوث بسبب نقاء الهواء، وسلامة الغذاء من
    .(١٣/ ١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ( ١ )
    ٣٠ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    الصناعة والمواد الكيماوية( ١) كان أجدادنا يموتون ولم تسقط سن
    واحدة من أفواههم، ما شكوا الوهن، ولا عرفوا الأمراض الفتاكة
    التي نعانيها اليوم، ولا توترت أعصاﺑﻬم فأرقوا، ولا خارت قواهم
    فشُلوا، نشأوا في الطبيعة –ومزارعها ومراعيها وهوائها وصحرائها-
    منها يأكلون ويشربون ويتغذون ويعالجون، ونحن اليوم في عصر
    المصنوعات نجد مشقة أن نذهب إلى المروج ونجني علاجا فيه دواؤنا
    نختصر به الطريق إلى الصيدلية، وذلك بالصيدلية التي أبدعها الله -
    سبحانه وتعالى- لنا في أنواع الأعشاب والمزروعات والنبات من
    كل زوج ﺑﻬيج ولذلك تجد الموظفين والإداريين على اختلاف
    درجاﺗﻬم لا يستغنون عن ساعات من الاستجمام والراحة يقضوﻧﻬا
    في المزارع والحقول وبين البساتين يمتعون أنظارهم، ويريحون
    أفكارهم، وأجسادهم، ويبتعدون عن ضوضاء المدينة، وصخب
    المصانع، وهدير الآلات، ويعودون وقد مُلئوا نشاطا وحيوية
    وسعادة.
    إن تلك النظرة الخاطئة إلى الزراعة قد أنكرها أصحاب الرسول
    يرغب في الزراعة ويحث عليها.  لما سمعوا رسول الله 
    عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن رجلا مر به وهو يغرس
    قال  غرسا بدمشق فقال: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله
    من غرس غرسا لم » : يقول  لا تعجل عليّ سمعت رسول الله
    . ١) انظر وديع جبر، العلاج بالنبات، ص ١٨ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٣١
    .(١)« يأكل منه آدمي، ولا خلق من خلق الله إلا كان له به صدقة
    التشجيع على الزراعة لا يعني إهمال الواجبات:
    إن فضل الزراعة والغرس وإعمار الأرض لا يجوز أن يشغل
    المسلم عما هو أهم أو يطغى على غيره من الواجبات الأخرى
    كطلب العلم، والجهاد وغير ذلك.
    وعلى هذا تحمل الأحاديث والآثار الواردة في التنفير من اتخاذ
    الضيعة أو الاشتغال بالحرث والزرع.
    فالزراعة كغيرها من المهن –لا يجوز أن يشغل ﺑﻬا المرء عن
    واجباته الشرعية أو أن يفرط في حقوق الله تعالى، أو حقوق
    الآدميين من أبناء وبنات وأسرة وغيرهم ممن لهم عليه حق التربية
    والتعليم، أو أن يستكثر منها بحيث يترك الجمعات والجماعات،
    وينقطع عن مجالس العلم، ومواطن التذكير، أو يقوده الربح فيها إلى
    الطمع والشح، وإمساك حق الفقراء بمنع الزكاة، فيكون بذلك قد
    ارتكب ما حرم الله تعالى، وتعدى وظلم.
    ما من » قال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث أنس
    في الحديث فضل الغرس والزرع، والحض « مسلم يغرس غرسا
    على عمارة الأرض، ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه
    ٤٤٤ ) والطبراني قال الهيثمي: رجاله موثقون وفيهم كلام لا يضر / ١) أخرجه أحمد ( ٦ )
    ٦٨ )، قلت: في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن / (مجمع الزوائد ٣
    (٤٥٠/ الدمشقي صاحب أبي أمامة وهو صدوق إلا أنه يغرب كثيرا (أنظر التقريب ١
    وفي سماعه من أبي الدرداء نظر والله أعلم.
    ٣٢ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة وحمل ما ورد من التنفير عن
    ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين فمنه حديث ابن مسعود
    قال القرطبي : « لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا » ، مرفوعا
    يجمع بينه وبين حديث الباب –أي حديث أنس- بحمله على
    الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على
    .( اتخاذها للكاف أو لنفع المسلمين ﺑﻬا وتحصيل ثواﺑﻬا أ.ه( ١
    وقد بوب البخاري -رحمه الله- على هذا فقال "باب ما يحذر
    من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به " ثم
    أورد حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: وقد رأى سكة وشيئا
    لا يدخل هذا بيت قوم إلا » : يقول  من آلة الحرث: سمعت النبي
    إلا أدخلوا على » : وفي رواية في المستخرج ،« أدخله الله الذل
    .(٢)« أنفسهم ذلا لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة
    قال ابن حجر: أو أراد بذلك ما يلزمهم من حقوق الأرض
    التي تطالبهم الولاة ﺑﻬا وكان العمل في الأرض أو ما فتحت على
    أهل الذمة فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
    قال: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي
    .(٤٠١/ ١) ابن حجر، فتح الباري ( ٥ )
    ٢) وأما قول الأستاذ أنور الرفاعي: في كتابه: إننا نشك في صحة هذا الحديث لأنه )
    في تشجيع الزراعة وإحياء الموات: فأقول: لا  يتنافى مع المبدأ الذي سار عليه النبي
    معنى لهذا الشك والحديث في صحيح البخاري ثم هولا يتعارض مع المبدأ الذي سار
    إذ مبدؤه أن لا يطغى جانب على الآخر فتشجيعه للزراعة لا يعني الإخلاد إلى  عليه
    الأرض وترك الواجبات الأخرى.
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٣٣
    أمامة، والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد
    أمرين:
    ١-إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا
    اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه.
    ٢-وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه.
    ونقل ابن حجر أيضا عن الداودي أن هذا يحمل على من
    يقرب من العدو فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية فيتأسد
    عليه العدو فحقهم أن يشتغلوا بالفروسية، وعلى غيرهم إمدادهم بما
    .( يحتاجون إليه( ١
    .( وقال العيني: المقصود الترغيب والحث على الجهاد( ٢
    ولا ريب أن الاشتغال بالزراعة، وترك الجهاد، وأعمال
    الفروسية، من أسباب ذلة الأمة.
    ولقد كان في درس الأندلس أعظم العبر والعظات للمسلمين
    حيث انصرفوا آخر أمرهم إلى الترف، والتأنق في العمارة،
    والاشتغال بالزراعة وبناء الجسور، والقنوات، وصناعة الآلا ت
    الرافعة كالنواعير والدواليب والمبالغة في الاهتمام بالأزهار، والورود
    والعطور، وانصرفوا عن أخلاق الفروسية، وصناعة الآلات الحربية،
    وتركوا أشعار الحماسة والجهاد إلى أشعار الوصف والغزل إلى أن
    .(٤٠٢/ ١) ابن حجر فتح الباري ( ٥ )
    .(١٥٥/ ٢) بدر الدين العيني، عمدة القارئ ( ١٢ )
    ٣٤ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    دهمهم العدو المتربص، وأحاط ﺑﻬم من كل جانب فرزأهم في
    الأموال والأعراض، وفتنهم في دينهم، وهكذا أسدل الستار على
     مجد حافل، وعز طائل دام نحو ثمانية قرون، وقد حذر الرسول
    أشد التحذير من الإخلاد إلى الأرض وترك الجهاد والواجبات
    إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم » : الأخرى في أحاديث كثيرة كقوله
    أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم
    .(١)« ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم
    عناية المسلمين بالزراعة:
    عنى المسلمون عناية كبيرة بالزراعة، واهتموا بإصلاح شبكات
    الري، وبناء القناطر، وتحسين الغلة الزراعية، وإحياء الموات، ولم
    ﺗﻬمل الأرض في عصر من العصور الإسلامية، برغم اشتغال
    المسلمين بالفتوحات، وتوطيد الأمن في البلاد، فضلا عن اهتمامهم
    بالصناعة، والعمارة وتحديث الأسلحة، وبناء الأساطيل البحرية إلى
    غير ذلك.
    قد ندب إلى الزراعة،  ففي عصر النبوة نجد أن الرسول
    وإحياء الموات والغرس والمساقاة، ورغب المسلم أن يمنح أرضه
    لأخيه يزرعها دون مقابل، وشرع إقطاع الأراضي في بعض الأحيان
    وكان لعدد من الصحابة -رضي الله عنهم- مزارع عظيمة المحصول
    تضاهي في ذلك أعظم المزارع في عصرنا هذا، فكان لعبد الله بن
    عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- بستان عظيم في الطائف يقال
    ١) أخرجه أبو داود، وغيره وهو حديث جيد بطرقه. )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٣٥
    له (الوهط) كان العنب فيه محمولا على ألف ألف خشبة (مليون
    خشبة) وكان الزبيب إذا وضع في مكان منه يظنه الرائي من بعيد
    .( تلًّا( ١
    وكان لطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه –وهو أحد العشرة
    المشهود لهم بالجنة - ضيعة عظيمة كثيرة المدخل اسمها
    .( (النشاستج)( ٢
    وكذلك كان للزبير بن العوام -رضي الله عنه-وغيره من
    الصحابة مزارع كبيرة حتى قيل: يهتم المسلمون عند فتح أي بلد
    .( بشيئين في وقت واحد هما: بناء المسجد وتنظيم الحقل( ٣
    يقول وليم ويلكوكس أحد المهندسين الغربيين المعاصرين : إن
    عمل الخلفاء في ري الفرات يشبه أعمال الري في مصر، والولايات
    .( المتحدة، واستراليا في هذا العصر( ٤
    أما الأمويون فقد اهتموا بإصلاح وترميم شبكات الري
    وتجفيف المستنقعات في أسفل العراق، ورصد الحجَّاج لتكلفة
    تجفيف المستنقعات مبلغ ثلاثة ملايين درهم، وعمل على الإكثار من
    الأيدي العاملة فأتى بخلق من نبط السند، وأضاف ممن ﺑﻬا من الناس
    ومعهم أهلوهم وأولادهم وجواميسهم فأسكنهم بأسافل (كسكر)،
    ،( ١) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد تحقيق د. محمد خليل هراس هامش (ص ٢٦٧ )
    .(١٤ ،١٣/ سلسلة الأحاديث الصحيحة ( ١
    .( ٢) انظر الإسلام في حضارته ونظمه (ص ٢٨٣ )
    .( ٣) أنور الرفاعي، الإسلام في حضارته ونظمه ٠ص ٢٨٣ )
    ٤) المصدر السابق. )
    ٣٦ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    .( وحاول أن يمنع الموالي العاملين في القرى من الهجرة إلى المدن( ١
    أما الدولة العباسية فقد وجد فيها ديوان خاص عرف ب ديوان
    الماء، وهو أشبه ما يكون بوزارة الزراعة والري في أيامنا هذه، وبلغ
    عدد المشتغلين فيه عدة آلاف من الموظفين والعاملين والمهندسين
    .( والإداريين( ٢
    وبذل المسلمون في هذا العصر أقصى عنايتهم بكل ما يتعلق
    بشؤون الزراعة، وراقبوا أمورها مراقبة دقيقة، وأشرفوا على
    الجداول وترميمها وكتب أبو يوسف رئيس القضاة في عصر الرشيد
    كتابا يبين فيه للخليفة أن من واجب الدولة تشييد الجداول الجديدة
    على نفقتها الخاصة لتحسين الزراعة، وتنظيف الجداول الحالية
    وترميمها، كما يوصي بإنشاء شرطة ﻧﻬرية ذات كفاءة ممتازة، وكان
    العراق وجنوب فارس يبدوان في ذلك العهد روضة َ غناء.
    وقد بلغت ثروة الدولة من الزراعة نحو مائة وأربعة عشر مليون
    درهم وفي عهد المأمون نحو ثلاثمائة وتسعين مليونا، وثمانمائة وخمسة
    وخمسين ألفا من الدراهم والدنانير دون العروض، وفي عهد المعتصم
    بلغ خراج السواد ثمانية ملايين وثمانمائة وواحدا وعشرين ألفا
    .( وثمانمائة درهم( ٣
    ١) انظر قدامة بن جعفر، الخراج وصناعة الكتابة (ص ٢١٣ )، ضياء الدين الريس، )
    ٢٠٦ )، أنور الرفاعي، الإسلام في حضارته - الخراج في الدولة الإسلامية (ص ٢٠٥
    .( ونظمه، ٠ص ٢٨٤
    .(٢٩٠ ، ٢) انظر أنور الرفاعي، الإسلام في حضارته ونظمه، (ص ٢٨٥ )
    .( ٣) انظر أنور الرفاعي، المصدر نفسه (ص ٢٩٠ )، د. أحمد فريد الرفاعي عصر المأمون (ص ١٣٨ )
    فضل الزراعة والعمل في الأرض ٣٧
    أما في الأندلس فقد أدخل المسلمون إليها نظام زراعة
    المدرجات في الجبال ودرسوا التربة والبيئة، وحفروا الترع، وأقاموا
    القناطر والجسور بالإضافة إلى النباتات الكثيرة التي أدخلوها إلى
    البلاد.
    واهتم المرابطون والموحدون بالزراعة، وشجعوا المزارعين
    وحرصوا على توفير المياه اللازمة للزراعة.
    وقد بلغت غلة الزيتون في ثلاث مدن مغربية في ذلك الوقت
    .( مائة ألف وخمسة آلاف دينار( ١
    يقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: لا يوجد في
    أسبانيا الحاضرة من أعمال الري إلا ما أتمه العرب، وأصبحت
    أسبانيا التي هي صحراء حقيقية عدا بعض الأقسام في جنوﺑﻬا جنة
    واسعة بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية. وفي صقلية يقول : لم
    تكد أقدام العرب ترسخ في صقلية حتى أقبلوا على الزراعة والصناعة
    فانتشلوهما من الانحطاط الذي كانتا فيه وأدخلوا إلى صقلية زراعة
    القطن، وقصب السكر، والدردار (نوع من الشجر العظيم له زهر
    أصفر) والزيتون، وحفروا فيها الترع والقنوات التي لا تزال باقية
    .( وأنشؤوا فيها اﻟﻤﺠاري المعقوقة التي كانت مجهولة قبلهم( ٢
    ١) غوستاف لوبون، حضارة العرب (ص ٢٧٤ )، د. حسن علي حسن الحضارة )
    .(٢٣٧- الإسلامية في المغرب ٠ص ٢٣٦
    .(٣١٠ ، ٢) غوستاف لوبون، حضارة العرب ٠ص ٢٧٤ )
    ٣٨ فضل الزراعة والعمل في الأرض
    متى يتحقق الأجر في الزراعة:
    لا يختص ثبوت الأجر على الزراعة لمن باشر ذلك بيده
    وحسب، بل يشمل من استعمل ماله لذلك بشراء الأرض،
    واستئجار العمال، واستشارة المهندسين والمرشدين الزراعيين،
    وشراء الآلات الزراعية للحرث والحصاد، وحفر الآبار وغير ذلك.
    قال


    _________________
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    [img]

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 24, 2017 5:27 am